تعتمد خطط هندسة الوعي بشكل أساسي على استغلال نقاط الضعف الفطرية في الطبيعة البشرية، ومن أبرزها الميل نحو 'التطرف العاطفي'. هذا التكتيك يدفع الجماهير للانتقال السريع بين نقيضي التقديس والشيطنة دون المرور بمرحلة الوسطية، مما يحرم المجتمع من القدرة على النقد الموضوعي للرموز والأفكار.
يستند هذا الأسلوب إلى آلية دفاعية تُعرف في علم النفس بـ 'التفكير الانشطاري'، حيث يعجز العقل تحت تأثير الشحن المستمر عن رؤية المساحات الرمادية. يميل الدماغ البشري بطبعه إلى 'الاقتصاد المعرفي'، فيلجأ لتصنيف الأشخاص إما كأبطال مقدسين أو كخونة متآمرين لتجنب عناء الفحص والموازنة.
تجلت هذه الآلية بوضوح في تعامل الآلة السياسية والإعلامية بعهد الرئيس أنور السادات مع ملف الفريق سعد الدين الشاذلي. ففي بداية حرب أكتوبر، جرى تصدير الشاذلي كعقل مدبر وفذ وضع خطة 'المآذن العالية'، ونال تقديساً شعبياً جارفاً خدم شرعية الحكم في ذلك الوقت.
تغيرت القواعد تماماً عقب الخلاف الشهير بين السادات والشاذلي حول تطوير الهجوم وثغرة الدفرسوار. في تلك اللحظة، شعر مهندس الوعي أن وجود رمز عسكري مستقل يحظى بهذا الحب يشكل تهديداً للرواية الأحادية التي أراد الرئيس احتكارها لنفسه كبطل وحيد للحرب.
لم يكتفِ النظام بإبعاد الشاذلي، بل فعل تكتيك التحطيم المفاجئ لعزله وجدانياً عن الشارع المصري. جرى استخدام الصحافة القومية والإعلام المرئي لإعادة صياغة الحدث، مما وضع المواطن في حالة 'تنافر معرفي' حاد بين صورته القديمة عن البطل والرواية الجديدة التي تصفه بالضعف.
استغل مهندس الوعي آلية 'الاختطاف العاطفي' عبر ضخ مواد إعلامية تثير الرعب من ضياع النصر بسبب قرارات رئيس الأركان. هذا الشحن جعل العقل الجمعي يتنازل عن مسافته النقدية، مفضلاً تبني قصة السلطة كآلية دفاعية لضمان الشعور بالأمان والاستقرار الوطني.
💬 التعليقات (0)