في مرحلة عصيبة كهذه التي نعيشها، حيث الأحداث المؤلمة تلم ببلادنا، وثقل الحروب يهز العالم من حولنا، يجد الإنسان نفسه متعبا ذهنيا وروحيا. نحن، كبشر، في مناخ إنهاك شامل؛ في لحظات تختلط فيها أذهاننا وتحزن قلوبنا، نحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نلتقط أنفاسنا، وأن نتوقف لحظة، وأن نستعيد إيقاع تنفسنا. وهنا بالضبط، يأتي ربيع إسطنبول نذيرا لا بتغير الفصول وحده، بل بما يشبه البعث والأمل.
نحن في منتصف أبريل/نيسان تماما. ربيع إسطنبول الفريد الأنيق يطرق أبوابنا. على جانبي البوسفور، تحولت كل زاوية -من حدائق القصور الخشبية العتيقة (اليالي) على ضفتي المضيق، إلى الحدائق العامة، فالبساتين الشعبية (millet bahçeleri)، فأحواض الزهور في الأحياء- إلى مساحات للاحتفاء. وأشجار الأرغوان (الجوداس)، نذير الربيع وملهم الشعراء، أضافت إلى عظمة إسطنبول، وخاصة البوسفور، جمالا جديدا.
ربيع إسطنبول ليس مجرد استيقاظ الطبيعة، بل هو أيضا وقت تجدد الروح. حين تقف تحت شجرة أرغوان وتنظر إلى ذلك الأزرق العميق للبوسفور، تشعر أن كل هذا الإنهاك الذهني يتبدد قليلا، ويترك مكانه لسلام خفي. الطبيعة تذكرنا بأن الحياة، رغم كل شيء، تستمر، وأن ربيعا يتلو كل شتاء، ونورا يتبع كل ظلمة.
شجرة الأرغوان (Cercis siliquastrum) شجرة ذات قيمة ثقافية وتاريخية عالية، ترتبط ارتباطا خاصا بإسطنبول وبخط البوسفور، وتعد نذير الربيع. وأبرز ما يميزها أنها تزهر قبل أن تورق. من منتصف أبريل/نيسان إلى مطلع مايو/أيار، تمتلئ أغصانها، بل وحتى جذعها، بعناقيد من الأزهار الأرجوانية-القرمزية. وحين تتساقط الأزهار، تفتح الشجرة أوراقها الخضراء اللامعة على شكل قلوب.
في الإنجليزية، تسمى "Judas Tree" (شجرة يهوذا)، اشتقاقا من اعتقاد مسيحي يقول إن أوراق الشجرة التي شنق يهوذا نفسه عليها -بعد تسليمه السيد المسيح للقبض- تحولت من البيضاء إلى الأرجوانية. غير أن ثمة رواية أخرى ترد التسمية إلى اشتقاق خاطئ من عبارة "Arbre de Judée" (شجرة يهودا)، نسبة إلى منطقة "يهودا" الجبلية في فرنسا حيث تنتشر هذه الشجرة. موطنها الأصلي يمتد من شمال أمريكا إلى حوض البحر المتوسط وغربي آسيا، وتنتشر في تركيا في إقليمي مرمرة وبحر إيجة. أزهارها القرمزية تبدأ في الظهور مع الربيع، وتنتهي قبل دخول الصيف.
في القرن الخامس عشر، كانت تنظم مهرجانات باسم هذه الشجرة التي احتلت مكانة بالغة الأهمية في الثقافة العثمانية. أطلق عليها أسماء مثل "أرغوان فصلي" (موسم الأرغوان) و"أرغوان بايرامي" (عيد الأرغوان). أشار إليها الرحالة العثماني الشهير أوليا چلبي باسم "أرغوان جمعيتي فصلي"، ومعروف أن هذا التقليد بادر إليه أمير سلطان، وأن الدراويش كانوا يتوافدون من جهات الأناضول الأربع كل عام في مطلع النيروز للاجتماع في تكية ضريح أمير سلطان في بورصة.
💬 التعليقات (0)