لا، ليس فجأة! لقد صرخ مبروكُ البلدة في الهزيع، مُحذّراً الناس من أنّ الغرباء سيأتون على مراكبهم السوداء، بوجوههم الغوليّة المشوّهة وقرونهم الحادّة وأظفارهم التي هي مخالب ذئاب هرمة، يحملون السواطير والقضبان البرونزية التي تشرّ حدّة، وبملابسهم المعدنيّة المُطْفأة.. سيهبطون على الشاطئ، في ليل بهيم، ينهبون ويسلبون، وسيبيدون القصور والقلاع والمعابد، وسيدخلون البيوت من أوّلها حتى آخرها، سيغرزون سكاكين أيديهم الآثمة القذرة في بطون الحوامل، وينزعون الأجنّة من الأرحام، وسيقهقهون وهم يرفعونها وهي تنبض بالدم الفوّار، وسيلتهمونها، فتتبقّع وجوههم بفقاقيع تتخثّر، فيصبحون أكثر رعباً وتوحّشاً.
قال: سيَدْهمون القرى كلّها ، وسيشعلون الحرائق في البيوت والدواوين والدكاكين والحقول، وسيرقصون على إيقاع اللهّب المسعور، وسيجأرون ويضربون بأذرعتهم الأبواب فيحطّمونها، ويقطّعون رؤوس الشيوخ والأطفال، ويستحيون النساء الصغيرات، وهم يخلعون ضفائرهن فتنسلخ جلدة الرأس وتنبع بالدم الدفّاق.
وسينجو القليلون، ليبدأ المُغنّي بكائيّته من لغة زائغة مجنونة الحنين، دائخة، تبحث عمَّن بقي من الأشياء والوجوه، بعد هذا الدمار المريع.
سيقف على تلّة في البعيد، لعلّ أرضه تتراءى له، ليقول: كان كلامي العذب مخبأً في عينيك، ولطالما قلتِ لي أن أصيح باسمك عندما أشتاقكِ، وها أنذا أصيحُ..فلا تأتين!
كنتِ تشعّين بجسمكِ تحت غلالات الضباب، وها أنتِ تنغلقين على سوادٍ تام.
لقد أفقدوك براءتك وعفّتكِ، وأطبق الملحُ على شفتيكِ؟
💬 التعليقات (0)