أمد/ ما بعد الحرب، لا تبدو غزة فقط أمام كارثة إنسانية غير مسبوقة، بل أمام لحظة فلسطينية شديدة التعقيد أعادت طرح أسئلة القيادة والرؤية الوطنية والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية بأكملها. فسنوات الانقسام والتراجع السياسي، ثم الحرب الأخيرة بكل ما حملته من دمار ومعاناة، دفعت قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى فقدان الثقة بقدرة البنية السياسية التقليدية على إدارة المرحلة أو إنتاج مشروع وطني جامع.
في هذا السياق تحديدًا، يعود اسم القائد محمد دحلان إلى الواجهة الفلسطينية والإقليمية والدولية، ليس بالضرورة باعتباره مرشحًا لقيادة سلطة أو نظام سياسي جديد، بل بوصفه جزءًا من محاولة البحث عن حالة وطنية مختلفة، أكثر التصاقًا بالواقع الجديد الذي فرضته الحرب، وأكثر قدرة على التحرك ضمن التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة التي تحكم مستقبل غزة والقضية الفلسطينية.
وهنا يجدر الإشارة إلى أن طرح اسم دحلان كلما دخلت الحالة الفلسطينية في أزمة كبيرة يرتبط بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني وأزماته المتكررة أكثر من ارتباطه بشخصه. فدحلان لا يُطرح عادة في لحظات الاستقرار، بل يرتبط حضوره غالبًا بمراحل التحول أو الانهيار أو إعادة الترتيب داخل النظام الفلسطيني.
فالنظام السياسي الفلسطيني يعاني منذ سنوات من أزمة حقيقية في إنتاج قيادات انتقالية أو بدائل تحظى بشرعية واسعة، لذلك كلما تأزمت الحالة يعود التداول بنفس الأسماء الثقيلة تاريخيًا، مثل محمد دحلان ومروان البرغوثي، أو شخصيات توافقية محتملة. كما أن ارتباط دحلان بغزة في الوعي الفلسطيني يجعل اسمه يعود تلقائيًا كلما أصبحت غزة مركز الحدث السياسي.
لكن عودة اسمه لا تعني وجود قبول شعبي شامل له، بقدر ما تعكس شعورًا متزايدًا بأن النظام الفلسطيني الحالي لم يعد قادرًا وحده على إدارة المرحلة.
وفي الوقت نفسه، يتحرك دحلان خارج الإطار الرسمي دون أن يخرج بالكامل من الشرعية الفلسطينية التقليدية، باعتباره امتدادًا لجزء من المدرسة الوطنية المرتبطة بحركة فتح ومنظمة التحرير. هذا الموقع الرمادي يمنحه مرونة سياسية كبيرة وقت الأزمات، وقدرة على مخاطبة العالم ضمن خطاب سياسي مفهوم ومقبول دوليًا، خاصة في ظل حالة الفراغ التي تعيشها المؤسسات الفلسطينية.
💬 التعليقات (0)