يشغل منصب المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة.
أشرنا في مقال سابق إلى أن معادلة «اللاحرب واللاسلم» أصبحت الإطار الأكثر تعبيرا عن طبيعة الصراع الأخير في الخليج، غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن هذه المعادلة تشهد تحولا واضحا. فالمشهد الراهن يجمع بين هدنة معلنة ومفاوضات مستمرة بين واشنطن وطهران من جهة، وتصعيد عسكري متبادل من جهة أخرى، يتمثل في ضربات أمريكية يعقبها رد إيراني يمتد تأثيره إلى مدن خليجية.
والمفارقة أن هذه التطورات تتزامن مع تأكيدات متكررة بشأن متانة الهدنة واستمرار مسار التفاوض. ويبدو أن المنطقة بصدد تكريس نمط جديد من الصراع لا هو حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل حالة من المواجهة المفتوحة وغير واضحة المعالم، تجعل دول الخليج رهينة تطورات يصعب التنبؤ بمساراتها أو نهاياتها، بما يحمله ذلك من مخاطر متزايدة، واحتمالات الانزلاق إلى منعطفات أكثر خطورة تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
في الوقت الذي تنشغل فيه العواصم الكبرى بمتابعة تفاصيل الهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران، وتتصاعد التوقعات بشأن صفقة سياسية قد تضع حدا لجولات التصعيد العسكري المتكررة في المنطقة، تكشف الوقائع الميدانية عن حقيقة مغايرة تماما.
فبعيدا عن لغة التهدئة والرسائل الدبلوماسية المتفائلة، لا تزال المنطقة تعيش على وقع توترات متجددة، ومؤشرات مقلقة تؤكد أن الهدنة القائمة لم ترتقِ بعد إلى مستوى الاستقرار الحقيقي. بل إن المشهد الإقليمي يبدو أقرب إلى هدنة مؤقتة فرضتها الحسابات السياسية والضغوط الدولية، لا إلى تسوية راسخة تعالج جذور الأزمة وتؤسس لسلام مستدام.
وفي ظل هذا الواقع، تظل احتمالات الانفجار قائمة، فيما تستمر مظاهر التوتر وعدم اليقين في فرض نفسها على المشهد الإقليمي، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى صدقية الخطابات التي تتحدث عن مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار في المنطقة.
💬 التعليقات (0)