أمد/ تتعثر جولات التفاوض مرة بعد أخرى، بينما يجد الوسطاء أنفسهم أمام فجوات واسعة تحول دون تحقيق اختراق حقيقي. وبين الحسابات السياسية والعسكرية المتضاربة، يبقى المدنيون هم الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر. هذه ليست وجهة نظر، بل حقيقة تفرض نفسها على كل من ينظر إلى المشهد بعيداً عن الاصطفافات والانفعالات.
في هذا السياق، برزت خلال الفترة الأخيرة تسريبات وتصريحات منسوبة إلى مصادر دبلوماسية عربية مشاركة في جهود الوساطة، عبّرت عن قلقها من بطء التقدم في المفاوضات، بل ومن احتمال تحولها إلى مسار يدور في حلقة مفرغة. وقد يكون من السهل التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها جزءاً من الضغوط السياسية المعتادة، لكن تجاهلها بالكامل قد يكون خطأً في التقدير.
فحين تبدأ ملاحظات من هذا النوع بالصدور عن أطراف لعبت تاريخياً أدواراً داعمة للقضية الفلسطينية وسعت إلى تخفيف معاناة سكان القطاع، فإن الأمر يستحق التوقف والتأمل. ليس لأن هذه الأطراف تمتلك الحقيقة المطلقة، بل لأن استمرار التعثر يفرض أسئلة مشروعة حول طبيعة إدارة التفاوض، وحول قدرة مختلف الأطراف على إدراك حساسية اللحظة وخطورة الوقت الضائع.
غير أن اختزال الأزمة في تفاصيل المفاوضات وحدها لا يكفي لفهم الصورة كاملة. فالمشهد الراهن لم يبدأ مع آخر جولة تفاوضية، ولم يتشكل فقط بفعل التطورات العسكرية الأخيرة. هناك مسار أطول من القرارات والحسابات والتقديرات التي ساهمت في الوصول إلى هذه المرحلة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: هل يمكن فهم ما تعيشه غزة اليوم من خلال متابعة مجريات الحرب فحسب، أم أن جذور الأزمة تعود أيضاً إلى خيارات استراتيجية اتُّخذت قبل اندلاعها؟
لا يتعلق الأمر بإصدار أحكام أخلاقية أو سياسية بقدر ما يتعلق بضرورة المراجعة. فكل قرار كبير، سواء كان سياسياً أو عسكرياً، يُبنى على تقديرات معينة بشأن المكاسب المتوقعة والكلفة المحتملة. لكن التجارب التاريخية تعلمنا أن النوايا وحدها لا تكفي للحكم على القرارات، وأن النتائج النهائية تظل المعيار الأكثر موضوعية في تقييمها.
💬 التعليقات (0)