لم يكن قرار محكمة العدل الدولية بشأن غزة مجرد محطة قانونية في حرب مفتوحة، بل كان إنذارا للعالم كله: ثمة خطر معقول بوقوع إبادة جماعية، وعلى الدول أن تتحرك لمنعها، غير أن تحقيقا استقصائيا للجزيرة يكشف أن هذا الإنذار لم يوقف تدفق الإمدادات العسكرية إلى إسرائيل؛ إذ واصلت بضائع مرتبطة بالمجال العسكري، منشؤها ما لا يقل عن 51 دولة ومنطقة متمتعة بحكم ذاتي، دخول إسرائيل خلال الحرب.
في أوائل يناير/كانون الثاني 2024، كانت غزة تقترب من يومها المئة تحت القصف. خارج محكمة العدل الدولية في لاهاي، وقف محتجون يطالبون بمحاسبة إسرائيل. وداخل القاعة، كانت جنوب أفريقيا تعرض دعواها: أن ما يجري في القطاع قد يرقى إلى إبادة جماعية. أما في غزة، فكان بعض الفلسطينيين يتابعون الجلسة عبر البث المباشر، بينما كان معظم السكان يحاولون النجاة من القصف والجوع والحصار.
كانت الجلسة استثنائية في تاريخ المحكمة. فمنذ دخول اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها حيز الوجود قبل نحو 8 عقود، لم تصل إلى محكمة العدل الدولية إلا قضايا قليلة من هذا النوع. ولم تكن جنوب أفريقيا تطلب إدانة سياسية للحرب فحسب، بل كانت تضع أمام أعلى محكمة في العالم سؤالا بالغ الخطورة: هل يدخل الهجوم الإسرائيلي على غزة في معنى الإبادة، أي تدمير جماعة قومية أو عرقية أو دينية، كليا أو جزئيا؟
في مرافعتها، قالت المحامية الأيرلندية بلين ني غرالاي، ممثلة جنوب أفريقيا، إن المجتمع الدولي يواصل خذلان الشعب الفلسطيني، رغم الخطاب الإسرائيلي "اللاإنساني والإبادي " وما قابله من أفعال عسكرية في غزة. وأضافت أن ما يجري هو "أول إبادة جماعية في التاريخ يبث ضحاياها تدميرهم في الوقت الحقيقي "، أملا في أن يفعل العالم شيئا.
ثم وضعت أمام القضاة أرقاما تختصر قسوة المشهد: كان يُقتل يوميا، في المتوسط، 247 فلسطينيا، بينهم 48 أما، أي أمّان كل ساعة، وأكثر من 117 طفلا، أي 5 أطفال كل ساعة. كما أشارت إلى اختصار جديد ظهر بين الأطباء والعاملين في الإغاثة وسط الدمار، معناه: "طفل جريح بلا عائلة ناجية ". وبحلول ذلك الوقت، كان أكثر من 7 آلاف فلسطيني قد قتلوا.
وفي 26 يناير/كانون الثاني 2024، قضت محكمة العدل الدولية بوجود خطر معقول بوقوع إبادة جماعية في غزة، وأمرت إسرائيل باتخاذ تدابير مؤقتة. كما ذكّرت جميع الدول الأطراف في اتفاقية الإبادة الجماعية، وعددها 153 دولة، بالتزاماتها في منع الإبادة.
💬 التعليقات (0)