منذ قديم الأزل والعقل البشري يراوغ كل محاولاتنا لفهمه. ومع ذلك، لم يترك العلماء أو الفلاسفة فرصة إلا وتساءلوا فيها عن الطريقة التي تتيح لكتلة هلامية أن تشكل شيئا محيرا وغامضا للغاية مثل الوعي. كيف تنبثق الأفكار؟ وتولد الأحلام في عالم يموج في الظلام؟ كيف ينساب الإبداع؟ ويتجلى وعينا بذواتنا وبالعالم من حولنا؟
تكشف أبحاث حديثة في علم الأعصاب عن وجود مساحة بين لحظات التركيز الحاد، ولحظات الشرود – تلك المتحررة من ضغوطات الحياة – يتأرجح فيها الدماغ بين النظام والفوضى، وتُعرف "بالمنطقة الحرجة".
يحاول هذا المقال المترجم من مجلة "نيو ساينتست" (New Scientist) سبر أغوار هذه المنطقة الغامضة، لفهم كيف يعيد النوم ضبط العقل، ولماذا قد يكون الشرود أو التشتت نعمة نجهلها، ولم قد يتمتع البعض بنسبة ذكاء أعلى من غيرهم، وأخيرا كيف يمكن للكافيين أن يجعل الدماغ يقترب من حالته المثلى أو يبتعد عنها.
هل قمت ساعة باسترجاع أحداث يومك على مهل، وتأمل كمّ المهام المبهرة التي لعب عقلك دورا في إنجازها، بدءا من تنظيف أسنانك، مرورا بتناول غدائك، وصولا إلى تلك اللحظة التي تلتقط فيها عيناك كلمات هذه الصفحة. قد تبدو أفكارك، ومشاعرك، وأفعالك كأنها ثمرة آلة مصقولة الصنع. ومع ذلك، فإن مجرد إخبار أحدهم باسمك يظل معجزة صغيرة تتحقق عبر إشارات كهربائية تتقافز داخل كتلة هلامية تزن 1.3 كيلوغرام.
تعليقا على ذلك، يقول كيث هينغن، عالم الأحياء بجامعة واشنطن في سانت لويس: "إنك تؤدي إحدى أعقد العمليات الحسابية في الكون وأكثرها إبداعا". ومع ذلك، تسلل الشك إلى وجدان الفلاسفة وعلماء الأعصاب لقرون طويلة بشأن كيفية تحقيقنا لهذا التعقيد، إذ يبدو أن الدقة الصارمة لم تكن يوما مفتاح اللغز (أي أن الدماغ لا يعمل وفق قواعد ثابتة ومحكمة بلا أي انحراف أو هامش خطأ كما قد يخيّل إلينا)*، بل يكمن الأمر كله في الفوضى المتجذرة في الدماغ.
"مجرد إخبار أحدهم باسمك يظل معجزة صغيرة تتحقق عبر إشارات كهربائية تتقافز داخل كتلة هلامية تزن 1.3 كيلوغرام"
💬 التعليقات (0)