أمد/ على ار الواقع لم يعد ما يجري في جنوب لبنان مجرد جولة عسكرية جديدة ضمن سلسلة المواجهات التقليدية بين إسرائيل وحزب الله بل بات أقرب إلى محاولة منظمة لإعادة رسم المشهد الأمني والسياسي في لبنان بأكمله خاصة وان التقدم الإسرائيلي الاخير إلى ما وراء الخطوط التي كانت تشكل حدود الحركة الميدانية خلال الأشهر الماضية والسيطرة على مواقع استراتيجية ذات رمزية عسكرية وتاريخية مثل قلعة الشقيف والتلويح بتوسيع العمليات نحو مناطق جديدة ورفع مستوى التهديدات ضد الضاحية الجنوبية لبيروت كلها مؤشرات واضحة تدل على أن تل أبيب انتقلت من سياسة الاحتواء المحدود إلى صناعة الوقائع الميدانية بالقوة وفرض معادلات جديدة على الأرض قبل أي تسوية سياسية محتملة بين واشنطن وطهران
السيطرة الاسرائيلية على قلعة الشقيف لا يمكن النظر إليها باعتبارها مكسب تكتيكي محدود سيما وان القلعة التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من الصراع في جنوب لبنان تمثل نقطة إشراف استراتيجية على مساحات واسعة من المنطقة الجنوبية كما أنها تحمل قيمة رمزية كبيرة في الوعي العسكري والسياسي للطرفين ولهذا فإن رفع العلم الإسرائيلي فوق هذا الموقع لا يهدف فقط إلى تحسين الوضع العملياتي للقوات المنتشرة في الميدان بل يحمل ايضا رسالة سياسية ونفسية مفادها أن إسرائيل تريد إظهار قدرتها على العودة إلى مواقع كانت قد اضطرت إلى الانسحاب منها سابقاً في عام 2000 زمن حكومة ايهود اولمرت كما تسعى تل ابيب إلى تثبيت صورة جديدة عن ميزان القوى في الجنوب اللبناني
الهدف الإسرائيلي المعلن يتمثل في إبعاد خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة عن مستوطنات الشمال وضمان عدم تعرضها لهجمات مستقبلية غير أن هذا التبرير يواجه إشكالية واضحة تتمثل في أن حزب الله لا يتمركز داخل الشريط الحدودي فقط بل يمتد حضوره العسكري والتنظيمي إلى مناطق واسعة من لبنان تشمل البقاع والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى بعيدة عن خط المواجهة المباشر ولذلك فإن السيطرة على مزيد من الأراضي في الجنوب لا تعني تلقائياً إنهاء التهديد الصاروخي أو إسقاط القدرة العسكرية للحزب وهو ما يجعل الأهداف المعلنة أقل إقناعاً من الأهداف الفعلية الكامنة وراء هذا التوسع
من هنا تبرز فرضية أكثر واقعية مفادها أن إسرائيل تسعى إلى فرض منطقة عازلة جديدة بحكم الأمر الواقع تكون أوسع من كل الترتيبات الأمنية السابقة وتمنحها هامشاً أكبر من السيطرة النارية والمراقبة الميدانية كما أن التدمير الواسع للقرى والبلدات الحدودية لا يبدو مجرد نتيجة جانبية للعمليات العسكرية بل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إحداث تغيير طويل الأمد في البيئة السكانية والجغرافية للمنطقة الحدودية بما يجعل عودة السكان أكثر صعوبة ويخلق فراغاً بشرياً يخدم الأهداف الأمنية الإسرائيلية ويعيد رسم الخريطة الديموغرافية للجنوب بصورة غير مسبوقة منذ عقود
في هذا السياق لا يمكن تجاهل التقارير المتزايدة التي تتحدث عن عمليات هدم واسعة للمنازل والبنى المدنية في القرى الجنوبية بصورة منهجية حيث تشير المعطيات إلى أن جزءاً مهماً من النشاط العسكري الإسرائيلي لم يعد يقتصر على استهداف مواقع عسكرية أو بنى قتالية بل أصبح موجهاً نحو تغيير الواقع العمراني نفسه في المناطق الحدودية الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة المشروع الذي يجري العمل عليه وحول ما إذا كانت إسرائيل تفكر فعلاً في إقامة حزام أمني طويل الأمد يتجاوز مجرد الأهداف العسكرية المباشرة
على الجانب الاخر يبدو أن إسرائيل تراهن أيضاً على عامل الضغط النفسي والاجتماعي داخل لبنان فكلما اتسعت رقعة الدمار والنزوح ازدادت الضغوط على الدولة اللبنانية وارتفعت الأصوات المطالبة بإيجاد حلول جذرية للأزمة الأمنية القائمة ومن هذه الزاوية قد يكون التصعيد العسكري محاولة لدفع الحكومة اللبنانية نحو مواجهة معضلة نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحميلها مسؤولية أكبر في ضبط الوضع الأمني في جنوب البلاد وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية وأمنية لم تكن مطروحة سابقا
💬 التعليقات (0)