شهدت العقود الأخيرة تراجعا حادا في قدرة وسائل الإعلام التقليدية على إنتاج الأخبار الأصيلة، وهو ما عجزت المنصات الرقمية الحديثة عن تعويضه، مما انعكس سلبا على الجمهور.
ويرى الباحث الأمريكي مات بيرس في تحليل منشور في نشرته البريدية المتخصصة بشؤون القوة والإعلام والديمقراطية، أن تراجع الصحافة المحلية تحديدا يرتبط بزيادة معدلات العزلة الاجتماعية، وانخفاض الوعي العام بأداء المسؤولين، وارتفاع معدلات الفساد. ويصف بيرس هذا التدهور بأنه بمثابة "ضريبة غير مرئية" تُفرض على المجتمعات، وتتحمل الشركات التكنولوجية الكبرى مسؤوليتها في ذلك.
ويشير التقرير الأحدث لمعهد "ميديل" حول واقع الصحافة المحلية، الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلى تفاقم هذه الأزمة التي بدأت قبل نحو عقدين، مؤكدا أنها باتت تهيمن على المشهد الإعلامي اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ويستعين الكاتب بأدوات الاقتصاد السلوكي لتفسير أسباب تعثر إعادة بناء صناعة الخبر مقارنة بالتدمير الذي تعرضت له، مستندا إلى أطروحات الاقتصاديين الحائزين على جائزة نوبل دانيال كانمان وريتشارد ثالر اللذين أثبتا أن السلوك البشري في مواجهة البيئات المعقدة يعتمد على خبرة معرفية غالبا ما تسيء استخدام الإنترنت، في وقت تستغل فيه المنصات الرقمية هذه الثغرات النفسية.
ويعيد هذا التحليل إلى الأذهان ما طرحه المفكر الأمريكي والتر ليبمان عام 1922 في كتابه "الرأي العام" حول الحدود النفسية للإدراك البشري في استيعاب تعقيدات المجتمع الحديث، وهي الأطروحة التي عارضها الفيلسوف جون ديوي بالدعوة إلى إبقاء الثقة في المواطن البسيط.
وقد سادت رؤية ليبمان طوال القرن العشرين، حيث أدى احتكار أسواق الإعلانات ومساحات البث وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى صعود وسائل الإعلام الجماهيرية، وتركيز القرار في أيدي عدد قليل من الخبراء ورجال الأعمال، مما أتاح للصحفيين بناء تقاليد مهنية قوية لمواجهة أصحاب العمل.
💬 التعليقات (0)