في السادس عشر من مايو 1916، لم تكن بريطانيا وفرنسا ترسمان حدود الشرق الأوسط على ورق فحسب، بل كانتا تعيدان اختراع المشرق بوصفه غنيمة سياسية مؤجلة. كانت الحرب العالمية الأولى تلتهم الإمبراطوريات القديمة، وكانت الدولة العثمانية تتراجع، فيما كانت قناة السويس تؤرق لندن كما لو أنها شريان الإمبراطورية الأخير. في تلك اللحظة لم ينظر العقل الاستعماري إلى العرب بوصفهم شعوبا تنتظر حقها في الاستقلال، ولا إلى فلسطين بوصفها وطنا لشعب قائم في أرضه، بل بوصفهما مادة قابلة للتقسيم وساحة قابلة لإعادة الترتيب.
هكذا ولدت سايكس بيكو: لا كاتفاق حدودي فقط، بل كفلسفة استعمارية كاملة. فلسفة ترى أن خرائط النفوذ أصدق من ذاكرة الشعوب، وأن مصير المجتمعات يمكن أن يقرره رجال يجلسون في غرف مغلقة بعيدا عن تراب البلاد وأسماء أهلها. وما إن فتحت هذه الخرائط السرية حتى صار وعد بلفور ممكنا. لم يكن بلفور انحرافا عن سايكس بيكو، بل نتيجتها الأشد قسوة؛ فإذا كانت سايكس بيكو قد جزأت المشرق إلى مناطق نفوذ، فإن بلفور انتزع فلسطين من معناها الوطني والإنساني والتاريخي، وحولها من أرض لشعبها إلى وعد يمنحه من لا يملك لمن لا يستحق.
بين سايكس بيكو ووعد بلفور لا نقف أمام حدثين متجاورين، بل أمام منطق واحد: تحويل المنطقة من فضاء حضاري متصل إلى خرائط نفوذ مجزأة، ومن شعوب تطلب الاستقلال إلى جماعات ممزقة تدار بالوعود والانتداب. لقد كان وعد بلفور ثمرة مرة لشجرة سايكس بيكو؛ الشجرة التي زرعت التقسيم في الأرض، ثم منحت الغريب حقا فوقها، وفتحت قرنا كاملا من الاحتلال، من الانتداب إلى الاستيطان.
لم تكن الخديعة عابرة. ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تخاطب الشريف حسين بلغة الاستقلال العربي، كانت تتفاوض سرا مع فرنسا على تقسيم المشرق، وتتقدم في الوقت نفسه نحو الحركة الصهيونية لتمنحها وعدا في فلسطين. هكذا استدعي العرب إلى الحرب باسم التحرر لا باسم الشراكة، واستعملت الثورة العربية أداة لتفكيك الجسد العثماني، لا لتأسيس دولة عربية مستقلة. أما فلسطين، فأخرجت من سياقها الطبيعي ومن علاقتها العضوية بأهلها ومحيطها، لتصبح فضاء مؤجلا لوظيفة استعمارية أكبر: حماية طريق الإمبراطورية، وتثبيت موطئ قدم دائم في قلب المشرق.
والأكثر مأساوية أن العرب لم يخرجوا من عباءة الإمبراطورية إلى فضاء السيادة، بل إلى غرف الانتداب. كانت السلطنة قد شاخت وتحتاج إلى إصلاح عميق، لكن إسقاط الرابطة السياسية القديمة لم يرافقه بناء رابطة جديدة قادرة على حماية الأرض والقرار. لذلك لم يولد الاستقلال الموعود، بل ولدت كيانات تحت الوصاية، وحدود مرسومة بمسطرة الخارج، ودول مبكرة الهشاشة، تحمل جرح النشأة وقلق الشرعية.
ولا يمكن فهم سايكس بيكو وبلفور بعيدا عن الحسابات الجيوسياسية الكبرى. فقد نظر الأوروبيون إلى الدولة العثمانية طويلا بوصفها حاجزا أمام الاندفاع الروسي نحو المياه الدافئة وطرق الهند. دعموها حين كانت سدا نافعا، ثم قرروا وراثتها حين بات سقوطها محتوما. لم يكن الشرق في المخيال الإمبراطوري ذاتا سياسية، بل ممرا وحاجزا وخزانا للموارد ومسرحا للتوازنات الكبرى.
💬 التعليقات (0)