القديس أوريليوس أوغسطين (أوغسطينوس)، مفكر ولاهوتي شمال أفريقي عاش بين عامي 354 و430 للميلاد. جمع بين الفلسفة واللاهوت، وترك أثرًا عميقًا في تاريخ الفكر الغربي عبر العصور، ودافع بقوة عن العقيدة المسيحية، وإليه ينسب المسيحيون الفضل في وضع حد لأشهر ثلاث بدع مسيحية.
استشهدت به أغلب التيارات الفكرية الغربية، ويندر تجاوز إسهاماته في جدالات الغربيين ونقاشاتهم، إذ لم تَخْلُ جيوب بعض كبار الشخصيات المسيحية من كتابه "الاعترافات"، وعاش آخرون في "جلبابه الفضفاض"، وإليه ينسب تطوير أفكار مسيحية والتأصيل لها، مثل فكرة وراثة الخطيئة الأصلية.
وُلد القديس أوغسطين عام 354 للميلاد في مدينة طاغست -سوق أهراس حاليًا في شرق الجزائر- بإقليم نوميديا في شمال أفريقيا الرومانية، وهي منطقة ريفية داخلية تقع ضمن فضاء متوسطي واسع خاضع للهيمنة الرومانية. وعاش في ذلك الفضاء (الجزائر وتونس حاليا) طوال حياته تقريبًا، باستثناء نحو خمس سنوات قضاها خارجها، ثم عاد إليها واستقر في مدينة هيبو (عنّابة الحالية) ولم يغادرها حتى وفاته عام 430 للميلاد.
كانت شمال أفريقيا آنذاك جزءًا من المجال المتوسطي الروماني، مع حضور قوي للتعدد اللغوي والعرقي والديني، حيث كانت المنطقة تشكّل فضاءً متداخلًا اقتصاديًا وثقافيًا يربط بين شمال أفريقيا وإيطاليا وشرق المتوسط، وقد سادت اللاتينية باعتبارها لغةً للنخبة والتعليم، إلى جانب البونيقية واليونانية في بعض البيئات المحلية، وهو ما جعل أوغسطين ينشأ داخل بيئة متعددة المرجعيات الثقافية.
نشأ أوغسطين في أسرة ذات تركيب ديني متباين؛ فوالدته مونيكا كانت مسيحية مؤمنة تنتمي إلى الأوساط المحلية في شمال أفريقيا من أصول بربرية، وقد لعبت دورًا محوريًا في توجيهه الروحي منذ طفولته، وظلت حاضرة في مساره الفكري والوجودي عبر مختلف مراحله. أما والده باتريكيوس فكان وثنيًا، ولم يتحول إلى المسيحية إلا في أواخر حياته، حيث تعمّد وهو على فراش الموت.
لم يكن والده من الطبقة الثرية، وحين توفي كان أوغسطين في سن المراهقة، فتحولت الأسرة إلى رعاية الأم التي حظيت بنصيب الأسد في توجيه حياته.
💬 التعليقات (0)