أمد/ ثمانية وسبعون عاماً مرت على النكبة الفلسطينية التي حلّت بالشعب الفلسطيني عام 1948، وتسعة وخمسون عاماً على النكسة العربية عام 1967، وبين هذين الحدثين المفصليين تشكلت معالم القضية الفلسطينية الحديثة، وتراكمت المآسي والآمال، والهزائم والانتصارات، والانكسارات وحالات النهوض الوطني المتجددة. فالنكبة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية أو خسارة أرض فحسب، بل كانت مشروع اقتلاع شعب من وطنه، وتدمير مئات القرى والمدن الفلسطينية، وتشريد غالبية أبناء الشعب الفلسطيني إلى المنافي ومخيمات اللجوء، في محاولة لطمس الهوية الوطنية الفلسطينية وإلغاء وجودها السياسي والتاريخي. أما النكسة عام 1967 فقد مثلت مرحلة جديدة من الاحتلال، حين استكملت إسرائيل سيطرتها العسكرية على ما تبقى من فلسطين التاريخية، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، إضافة إلى أراضٍ عربية أخرى. وبذلك انتقلت القضية الفلسطينية من مرحلة اللجوء والشتات إلى مرحلة الاحتلال المباشر، وما رافقها من مقاومة وطنية متواصلة بأشكالها المختلفة. ورغم مرور عقود طويلة على النكبة والنكسة، فإن الحقيقة الأهم التي أثبتها التاريخ هي أن الشعب الفلسطيني لم يختفِ، ولم يتلاشَ كما تصور مخططو المشروع الصهيوني. بل بقي حاضراً على أرضه وفي وطنه وفي الشتات، محافظاً على هويته الوطنية وحقوقه التاريخية، ومتمسكاً بروايته الوطنية في مواجهة محاولات التزييف والتهميش. لقد شهدت القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية تحولات كبرى، إقليمية ودولية، واتفاقيات وتسويات، وانتفاضات ومواجهات، وحروباً وحصارات، إلا أن جوهر القضية بقي ثابتاً: شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال والعودة، في مواجهة احتلال استيطاني إحلالي يسعى إلى فرض وقائع دائمة على الأرض. واليوم، وفي ظل ما تشهده الأراضي الفلسطينية من حرب مدمرة على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، ومحاولات تهويد القدس وتغيير هويتها التاريخية والدينية، يطرح كثيرون تساؤلات مشروعة حول مستقبل فلسطين ومستقبل حقوق شعبها الوطنية. والحقيقة أن القراءة الموضوعية للتاريخ تؤكد أن حقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم، وأن الاحتلال مهما طال أمده لا يستطيع أن يمنح نفسه شرعية دائمة. فالشعب الفلسطيني يمتلك حقوقاً وطنية وسياسية وقانونية ثابتة وغير قابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، وحقه في إقامة دولته المستقلة على أرضه الوطنية وعاصمتها القدس الشرقية، وحق اللاجئين في العودة والتعويض وفق قرارات الشرعية الدولية. غير أن التمسك بالحقوق وحده لا يكفي؛ إذ يتطلب الأمر إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس أكثر صلابة وواقعية ووحدة. فالتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني اليوم ليست خارجية فقط، بل داخلية أيضاً، وفي مقدمتها الانقسام السياسي، وتراجع فاعلية المؤسسات الوطنية، وضعف القدرة على توحيد الطاقات الوطنية في إطار استراتيجية جامعة. إن المستقبل الفلسطيني لا يمكن أن يُبنى على إدارة الأزمات أو انتظار المتغيرات الإقليمية والدولية فحسب، بل على استعادة الوحدة الوطنية، وتجديد الشرعيات الديمقراطية، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، وتفعيل أدوات النضال السياسي والقانوني والدبلوماسي والشعبي بما يخدم الأهداف الوطنية العليا. كما أن التحولات الدولية المتسارعة تفتح فرصاً جديدة أمام القضية الفلسطينية، رغم كل ما يحيط بها من مخاطر. فالعالم بات أكثر إدراكاً لطبيعة المأساة الفلسطينية، وأكثر انفتاحاً على الرواية الفلسطينية، خاصة في ظل ما تكشفه الأحداث الجارية من حجم المعاناة الإنسانية والانتهاكات الواقعة على الشعب الفلسطيني. وإذا كانت النكبة قد مثّلت محاولة لإنهاء الوجود الفلسطيني، وكانت النكسة قد عمّقت جراح الاحتلال، فإن مستقبل فلسطين لا يجب أن يُقاس فقط بميزان الخسائر والانتكاسات، بل أيضاً بقدرة الشعب الفلسطيني على البقاء والصمود وتجديد أدوات كفاحه الوطني. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب الحية قد تتعثر، وقد تتعرض لهزائم قاسية، لكنها لا تنهزم نهائياً ما دامت متمسكة بحقوقها وهويتها وإرادتها الوطنية. إن إحياء ذكرى النكبة ليس استدعاءً للحزن أو اجتراراً للماضي، بل هو فعل وعي وطني متجدد، يربط الأجيال الفلسطينية المتعاقبة بجذورها التاريخية وحقوقها الثابتة. كما أن استذكار النكسة لا ينبغي أن يكون مناسبة لاستحضار الهزيمة، بل فرصة لاستخلاص الدروس والعبر التي تمكن الشعب الفلسطيني من تجاوز أخطاء الماضي وبناء مستقبل أكثر قوة ووحدة وقدرة على مواجهة التحديات. وبين النكبة والنكسة تمتد رحلة طويلة من المعاناة والصمود والكفاح الوطني، أثبت خلالها الفلسطيني أنه ليس مجرد ضحية لظلم تاريخي، بل شعب حيّ يمتلك إرادة البقاء والنهوض وتجديد مشروعه الوطني مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التضحيات. واليوم، وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى رؤية وطنية فلسطينية جامعة، تستند إلى وحدة الشعب والأرض والقضية، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية، وتجمع بين الثوابت الوطنية ومتطلبات العمل السياسي الواقعي، بما يضمن حماية الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال وعودة اللاجئين وتقرير المصير. لقد كانت النكبة جريمة اقتلاع، وكانت النكسة جرحاً عميقاً، لكنهما لم تكونا نهاية الحكاية الفلسطينية. فالشعوب قد تمر بنكبات ونكسات، لكنها لا تموت ما دامت متمسكة بحقها وعدالة قضيتها. ولذلك ستبقى فلسطين، رغم كل الألم والمعاناة، عنواناً للحق والعدالة والكرامة الإنسانية، وسيبقى شعبها مؤمناً بأن فجر الحرية لا بد أن يأتي، وأن المستقبل مهما بدا بعيداً لا يُصنع باليأس، بل بالإرادة والوحدة والعمل الوطني المسؤول. فلسطين التي صمدت في وجه النكبة، وواجهت آثار النكسة، وقدمت التضحيات جيلاً بعد جيل، قادرة على أن تواصل مسيرتها نحو الحرية والاستقلال. وما دام هناك شعب يتمسك بأرضه وهويته وحقوقه الوطنية، فإن الأمل يبقى حياً، ويبقى المستقبل مفتوحاً على إمكانيات النهوض والانتصار، مهما بلغت التحديات وتعاظمت التضحيات.
ترامب: إسرائيل لن تهاجم بيروت بعد تعهد حزب الله وتجاوب نتنياهو
كان: إسرائيل أجلت الهجوم على الضاحية الجنوبية ببيروت بضغوط أمريكية
موسكو: واشنطن وتل أبيب تسعيان لجر الدول العربية إلى مواجهة عسكرية مع إيران
تقارير عبرية: واشنطن أعطت الضوء الأخضر لتوسيع العمليات في لبنان
اليوم 95..حرب إيران: كسر عسكري للتهدئة وتصعيد كلامي من ترامب..وفوضى سياسية في طهران
💬 التعليقات (0)