في أطراف بيروت الجنوبية، حيث كانت بساتين الليمون تمتد على مد البصر وتتناثر القرى الهادئة بين الحقول، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول هذه المنطقة يوما إلى واحدة من أكثر البقع تأثيرا في الحياة السياسية اللبنانية.
فالضاحية الجنوبية لبيروت، التي ارتبط اسمها لاحقا ارتباطا وثيقا بحزب الله، لم تُولد بهذه الصفة، بل تشكلت عبر عقود من التحولات الديموغرافية والحروب والأزمات الاجتماعية التي رسمت ملامحها الحالية.
في ستينيات القرن الماضي، لم تكن الضاحية الجنوبية كيانا موحدا، بل مجموعة من القرى والأحياء المتفرقة مثل حارة حريك وبرج البراجنة والشياح والغبيري. آنذاك، كانت المناطق الجنوبية والبقاعية تعاني ضعف التنمية وشح فرص العمل، وهو واقع تفاقم بعد قيام دولة إسرائيل في عام 1948 وما تبعه من اضطرابات اقتصادية أثرت على جنوب لبنان بشكل خاص.
ومع بحث آلاف اللبنانيين عن فرص معيشية أفضل، بدأت موجات الهجرة الداخلية تتجه نحو أطراف العاصمة، حيث كانت الأراضي أرخص نسبيا. شيئا فشيئا، تراجعت المساحات الزراعية، وحلت المباني السكنية محل البساتين، لتتشكل تدريجيا كتلة عمرانية واسعة جنوب بيروت.
لكن التحول الأكبر جاء مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975. فقد انقسمت بيروت إلى شطرين يفصل بينهما "خط التماس"، وتحولت الأحياء المختلطة إلى ساحات صراع مفتوحة.
وأمام تزايد المخاطر الأمنية، نزحت آلاف العائلات الشيعية من مناطق سكنها داخل العاصمة أو قرب خطوط المواجهة، لتجد في الأحياء الجنوبية ملاذا أقرب إلى بيئتها الاجتماعية وأكثر أمنا نسبيا.
💬 التعليقات (0)