انحنت اأم الشهيد أحمد عواودة على قبره في أول أيام العيد بصمتٍ ثقيل، ومدّت يدها المرتجفة نحو التراب الذي يغطي جسد ابنها. قبضت على حفنة صغيرة منه، ثم ضمّتها إلى صدرها كأنها تعانق أحمد نفسه. لم تستطع الكلمات أن تسبق دموعها؛ كانت تبكي وتبتسم في آن واحد، فرحةً لأنها وصلت أخيرًا إلى المكان الذي حُرمت منه طويلًا، وحزينةً لأن اللقاء لم يكن إلا عند شاهد قبر.
بعد ساعات من المعاناة والتنقل بين الحواجز والطرق المغلقة، تمكنت والدة الشهيد أحمد عواودة من الوصول إلى مقبرة مخيم جنين. رحلة لم تكن عادية لأم تحمل في قلبها شوق سنوات، وتبحث عن لحظة تقف فيها أمام قبر ابنها لتقرأ الفاتحة وتخبره بما لم تستطع قوله منذ رحيله.
كانت الطريق من قرية دورا إلى المقبرة مليئة بالتحديات والعراقيل التي فرضتها قوات الاحتلال، لكن الأم التي حملت صورة ابنها في قلبها قبل يديها لم تتراجع. تجاوزت التعب والخوف والإرهاق، مدفوعة برغبة واحدة فقط: أن ترى قبر أحمد.
وعندما وصلت، لم تسأل عن شيء. اتجهت مباشرة نحو القبر، جلست إلى جواره، وبدأت تزيح الغبار عن شاهده بيديها. كانت تلمس التراب برفق وكأنها تربت على كتف ابنها. قرأت الفاتحة، ودعت له طويلًا، ثم بقيت تحدق في المكان الذي يحتضنه، محاولة أن تستعيد ملامحه وصوته وضحكته.
مشهد الأم وهي تضم حفنة من تراب القبر إلى صدرها اختصر سنوات من الفقد والحرمان. لم تكن تحمل ترابًا فحسب، بل كانت تحمل ما تبقى لها من قربٍ مادي من ابنها الشهيد.
تحولت زيارة والدة أحمد عواودة إلى قصة إنسانية مؤثرة تداولها الفلسطينيون على نطاق واسع، لما تحمله من معاني الصبر والإصرار، ولأنها أعادت إلى الواجهة معاناة آلاف العائلات الفلسطينية التي لا تملك حتى حق الوصول الحر إلى قبور أبنائها.
💬 التعليقات (0)