وقف الفرعون المصري خوفو على هضبة الجيزة، نحو عام 2580 ق.م، يراقب صعود هرمه الأكبر حجرا فوق حجر، حتى بلغ نحو 147 مترا، وظل 38 قرنا أعلى ما بنته يد إنسان على وجه الأرض.
في تلك السنوات نفسها، وعلى الضفة المقابلة من الكوكب، كان مهندس قديم لا نعرف اسمه يرفع هرما آخر يقارب حجمه، في وادٍ صحراويّ قاحل على ساحل بيرو بالقرب من المحيط الهادئ.
لم يسمع أيّ من الرجلين باسم الآخر قط؛ لم يجمع بينهما لسان، ولا طريق قافلة، ولا حتى حكاية مهاجر تتناقلها الأفواه، ومع ذلك التقيا -من حيث لا يدريان- عند المنعطف ذاته في عمر البشر، في اللحظة التي اخترع فيها الإنسان المدينة.
ظلت هذه المصادفة الصامتة خارج حسابات الأكاديميين حتى ربيع 2001، حين نشرت عالمة الآثار الأمريكية روث شادي ورقة قصيرة في دورية "ساينس" الأمريكية، فأزاحت عن تاريخ الأمريكتين ألف عام دفعة واحدة، وأعادت طرح سؤال ما أقدم حضارات الأرض؟
وكلمة "الأقدم" معلّقة بتعريف "الحضارة"، والتعريف نفسه ساحة معركة علمية لم تُحسم بعد، فما الذي نسمّيه حضارة؟
كتب عالم الآثار الأسترالي فير غوردون تشايلد، في عام 1950، مقالته التأسيسية "الثورة الحضرية"، ووضع فيها عشرة معايير صارمة تفصل "المدنية الكاملة" عمّا قبلها من مجتمعات زراعية باكرة.
💬 التعليقات (0)