قبل نحو 52 عاما أتاحت شركة "مونسانتو" الأمريكية المركب الكيميائي الغليفوسات تحت اسم "راوندأب"، ولم يكن حينها سوى مبيد واسع الطيف، يقضي على معظم أنواع الأعشاب الضارة دون تمييز، حتى أنه كان يُعد صديقا للفلاح، الذي اعتبره نعمة تُريحه من أتعاب المقاومة اليدوية.
وانتشر هذا المبيد انتشارا واسعا وأصبح يستخدم بكميات كبيرة، غير أنه لم يمر وقت طويل حتى بدأت التساؤلات تتصاعد، حول ماذا يحدث للتربة التي تُرش عليها هذه الكميات الهائلة؟ وماذا عن الكائنات الدقيقة التي تسكنها؟ وماذا عن النحل والحشرات الملقحة التي تحوم فوقها؟ وماذا عن المزارع الذي يرشها يوميا؟ وماذا عن الطفل الذي يأكل الغذاء المنتج عليها؟
ثم جاء عام 2015 ليرسم خطا فاصلا في تاريخ هذا المركب، حين أعلنت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، أن الغليفوسات "يُحتمل أن يكون مسرطنا للبشر"، فاستفاقت المؤسسات الرقابية في العالم على جدل لم يهدأ إلى الآن.
وحديثا، ومع إشارة أممية رسمية صدرت في فبراير/شباط 2026، بشأن مخاوف جدية من أضرار بيئية وصحية ناتجة عن رش إسرائيل لمادة الغليفوسات بتركيزات مرتفعة للغاية على طول الخط الأزرق الفاصل بين لبنان وإسرائيل، انتقل النقاش إلى بُعد جديد كليا، وهو ما الذي يعنيه استخدام مبيد الأعشاب في مناطق النزاع؟ وهل يمكن أن يكون للمبيد الزراعي تأثيرات جيوسياسية وإنسانية تتجاوز الحقل لتطال البنية الاجتماعية والديموغرافية بأسرها، وهل يمكن التخلص من آثاره السلبية باستخدام تقنية صينية جديدة تم الإعلان عنها مؤخرا؟
كانت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية قد أعلنت اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية المتمثلة برش مواد ومبيدات سامة على الأراضي الزراعية والبساتين في عدد من القرى اللبنانية.
بدأت قصة هذا المركب عام 1950، حين اكتشفه الكيميائي السويسري هنري مارتان، لكنه لم يُدرك آنذاك إمكاناته كمبيد.
💬 التعليقات (0)