أمد/ توشك حالة الانقسام داخل أروقة الحكم في طهران أن تصل إلى مرحلة من الاستقطاب الحاد، حيث لم يعد ملف المفاوضات مع الولايات المتحدة مجرد تباين في وجهات النظر الدبلوماسية، بل تحول إلى ساحة لاختبار الولاءات السياسية ومحدد أساسي لمستقبل التوازنات الداخلية. هذا الانقسام، الذي يتجلى بوضوح في التصريحات العلنية بين أجنحة البرلمان ودوائر صنع القرار، يعكس عجز النظام عن صياغة رؤية استراتيجية موحدة في التعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية الضاغطة، وسط ضغوط دولية غير مسبوقة تضع طهران أمام خيارات وجودية.
صقور البرلمان: "فخ الاتفاق" ومعادلة الأمن القومي
في المقابلات الأخيرة، بادر حميد رسائي، عضو البرلمان، إلى طرح رؤية صدامية تعكس توجهات "التيار المتشدد" الذي يرى في الدبلوماسية خداعاً استراتيجياً. تحت عنوان "فخ الاتفاق"، يجادل رسائي بأن واشنطن لا تسعى لحل الملفات العالقة، بل تستغل أجواء الانفتاح التفاوضي كغطاء استخباراتي لجمع البيانات، ومراقبة أنماط اتخاذ القرار، وتحديث بنك الأهداف الاستراتيجية.
ويذهب هذا التيار أبعد من النقد السياسي ليصل إلى حد "التخوين"؛ حيث استخدم رسائي مقاطع أرشيفية لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف لتذكيره بمواقفه السابقة الرافضة للتفاوض، معتبراً أن أي ميل نحو "الاعتدال" في الملف النووي هو خطأ جسيم. هذا الضغط الداخلي لا يستهدف قاليباف فحسب، بل يمتد ليشمل دعوات قضائية ضد الموقعين على الاتفاق النووي الأصلي (برجام)، بما في ذلك انتقادات مباشرة للرئيس مسعود بزشكيان، مما يشير إلى أن التيار المتشدد يعمل على تحصين المؤسسات ضد أي اختراق دبلوماسي مستقبلي.
الراديكالية كأداة ضغط: استحضار العقيدة والمواجهة
لم يكتفِ التيار الرافض للمفاوضات بالمناورة السياسية داخل البرلمان، بل عمد عضو لجنة الأمن القومي أمير حسين ثابتي إلى تصعيد الخطاب التعبوي. عبر استحضار أدبيات "المرشد السابق" حول عدم شرف التفاوض. يربط ثابتي بين مرونة بعض المسؤولين وبين الإخفاقات الأمنية الكبرى، زاعماً أن "تجميل صورة أمريكا" مهد الطريق لاغتيالات قيادية. هذا الخطاب يعكس استراتيجية الربط بين الأمن والدبلوماسية، حيث يتم توصيف أي مسار تفاوضي كـ "خيانة للأمن القومي" و"استسلام للعدو"، مما يصعب المهمة على حكومة بزشكيان في تقديم أي تنازلات تقنية أو سياسية.
💬 التعليقات (0)