أمد/ لم يعد ممكناً بعد اليوم التعامل مع الجرائم الإسرائيلية في فلسطين باعتبارها مجرد تجاوزات فردية أو حوادث معزولة تقع في ظروف الحرب والفوضى لأن ما تكشفه التقارير الدولية تباعاً وما وثقته الأمم المتحدة أخيراً في تقريرها السنوي حول العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات لعام 2026 يضع العالم أمام حقيقة أكثر رعباً وخطورة تتمثل في وجود نمط ممنهج من الانتهاكات الجنسية والإذلال الجسدي والتعذيب القائم على الكرامة الإنسانية تمارسه أجهزة الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاعتقال والحواجز العسكرية وحتى داخل المنازل الخاصة والمجتمعات السكنية في الضفة الغربية وقطاع غزة
إدراج إسرائيل مؤخرا للمرة الأولى على القائمة السوداء للأمم المتحدة الخاصة بالأطراف المتهمة باستخدام العنف الجنسي في النزاعات المسلحة ليس حدثاً عابراً في التاريخ السياسي أو الحقوقي بل يمثل لحظة انهيار أخلاقي مدوّية لكيان طالما حاول تسويق نفسه باعتباره واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط فيما تتكشف تباعاً أمام الرأي العام الدولي وجوهه الأكثر وحشية وعنصرية وهمجية
التقرير الأممي الصاخب لم يأتِ نتيجة روايات إعلامية أو ادعاءات سياسية عابرة بل استند إلى تحقيقات وشهادات ووثائق ومعاينات أممية شملت عشرات الحالات الموثقة التي تعرض فيها فلسطينيون وفلسطينيات لأشكال مروعة من العنف الجنسي والتعذيب والإذلال حيث أكد التقرير توثيق حالات اغتصاب واغتصاب جماعي واستخدام أدوات حادة في الاعتداءات الجنسية والتعري القسري والتفتيش الجسدي المهين والعنف ضد الأعضاء التناسلية وتهديدات بالاغتصاب وإطلاق نار متعمد على مناطق حساسة من أجساد المعتقلين
الاهم في قراءة المشهد أن الأمم المتحدة شددت على أن ما جرى توثيقه لا يمثل سوى جزء محدود من الحقيقة بسبب استمرار إسرائيل في منع وصول لجان التحقيق الدولية إلى أماكن الاحتجاز في السجون وداخل قطاع غزة الأمر الذي يعني أن حجم الانتهاكات الحقيقي قد يكون أكبر وأكثر فظاعة مما أُعلن
خطورة التقرير الاممي لا تكمن فقط في حجم الجرائم الموثقة بل ايضا في طبيعة الجهات المتهمة بها خاصة وإن الاتهامات لم توجَّه إلى أفراد مجهولين أو جماعات خارجة عن القانون وإنما إلى الجيش الإسرائيلي النظامي ومصلحة السجون الرسمية وقوات الشرطة ووحدات خاصة تابعة للدولة نفسها ما يعني أن العنف الجنسي لم يعد سلوكاً شاذاً أو فردياً بل تحول إلى أداة قمع وإرهاب تمارسها مؤسسات رسمية تحت غطاء السلطة العسكرية والأمنية وهذا ما يفسر الإصرار الإسرائيلي المستمر على منع لجان الأمم المتحدة والمحققين الدوليين من الوصول إلى المعتقلات الإسرائيلية وعلى رأسها معتقل سديه تيمان الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى رمز عالمي للتعذيب والانتهاكات الوحشية بحق الأسرى الفلسطينيين
إسرائيل حاولت طوال الأشهر الماضية توظيف خطاب العنف الجنسي سياسياً ضد المقاومة الفلسطينية بعد أحداث السابع من أكتوبر كما سعت إلى حشد الرأي العام الغربي عبر اتهامات إعلامية واسعة لكنها فوجئت بأن لجان الأمم المتحدة نفسها بدأت تطالب بالتحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية
💬 التعليقات (0)