f 𝕏 W
نزيف وجودي يقتل المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج للعلاج العاجل

أمد للاعلام

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 1 د قراءة
زيارة المصدر ←

نزيف وجودي يقتل المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج للعلاج العاجل

السلطة يجب أن يتفرغ للسلطة، والعامل في فتح يجب أن يتفرغ لفتح،

أمد/ منذ العام 2007، يعاني المشروع الوطني الفلسطيني من أخطر أزمة داخلية في تاريخه، ألا وهي الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بانقسام حاد بين حركتي فتح وحماس. لكن هناك ما هو أخطر من الانقسام نفسه، وهو الطريقة التي أدارت بها النخب الفلسطينية (وخاصة حركة فتح) هذا الانقسام، واستثمرته لتكريس حالة من تضخم المناصب وتداخل السلطات التي حولت القيادة الفلسطينية إلى كتلة متشابكة من الأعضاء الذين يجمعون بين منصبين وثلاثة وأربعة مناصب في الوقت نفسه، وزير في السلطة الفلسطينية، وعضو في اللجنة المركزية لفتح، وعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وعضو في المجلس الوطني، ونائب في المجلس التشريعي المشلول، وقائد لجهاز أمني حساس؛ هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ "احتكار المناصب" أو "التضخم السياسي" ، تسببت في نزيف هائل للطاقة والكفاءة والمصداقية، وأدت إلى تعطيل أي إصلاح حقيقي، وخلقت طبقة سياسية مستفيدة من استمرار الفوضى وغياب المحاسبة. هذا المقال يطرح فكرة جريئة وضرورية في نفس الوقت، ضرورة الفصل الكامل بين عمل حركة فتح (كحركة تحرر وطنية) وبين عمل السلطة الفلسطينية (كإدارة مدنية مؤقتة) وبين منظمة التحرير الفلسطينية (كممثل شرعي للشعب) ؛ يدعو فيه كاتب المقال إلى قاعدة واضحة وبسيطة، لا يجوز لأي قائد أن يشغل أكثر من منصب واحد في أي من هذه الهياكل. فالعامل في السلطة يجب أن يتفرغ للسلطة، والعامل في فتح يجب أن يتفرغ لفتح، والعامل في منظمة التحرير يجب أن يتفرغ لمنظمة التحرير، مع فتح باب المشاركة للمواطنين العاديين والكفاءات المستقلة، وليس حصرها في نخبة مغلقة تتنقل بين الكراسي كالنحل بين الأزهار . سؤالنا الإشكالي المركزي هو التالي؛ إلى أي مدى ساهم تداخل المناصب وتضخمها في تعميق الانقسام الفلسطيني، وتكريس الفساد، وشل المؤسسات، وتحويل الصراع مع الاحتلال إلى صراع على الكراسي، وهل يمكن للفصل الحاد بين فتح والسلطة ومنظمة التحرير أن يشكل مفتاحاً لوقف النزيف وإنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني. أولاً: تضخم المناصب وتداخلها – متى تحول النضال إلى "سوق للكراسي". لفهم حجم الكارثة، يمكننا إجراء مسح سريع لكيفية توزيع المناصب على القادة البارزين في حركة فتح والسلطة ومنظمة التحرير. ليس سراً أن العديد من الشخصيات الفلسطينية البارزة تجمع بين أربعة أو خمسة مناصب رئيسية في وقت واحد. فعلى سبيل المثال، قد تجد الشخص نفسه: -في حركة فتح، عضواً في اللجنة المركزية (أعلى هيئة قيادية في الحركة) أو عضواً في المجلس الثوري. -في منظمة التحرير الفلسطينية، عضواً في اللجنة التنفيذية (الحكومة العليا للمنظمة) أو عضواً في المجلس الوطني (برلمان المنظمة). -في السلطة الفلسطينية، وزيراً في الحكومة، أو محافظاً، أو مستشاراً للرئيس، أو مديراً لهيئة حكومية كبرى أو قائداً لجهاز أمني. -في المجلس التشريعي (البرلمان)، نائباً رغم أن المجلس مشلول ومحلول ومجمد لا يعقد جلسات، لكن العضوية تبقى رمزاً ومنفعة مالية وسياسية. -في مؤسسات أخرى، رئيس اتحاد أو هيئة وطنية، وعضو في لجان متعددة، وممثل في محافل دولية وسفير في دولة اخرى. هذا التراكم المذهل للمناصب في شخص واحد، ليس مجرد انتهاك لمبدأ الفصل بين السلطات (الذي هو أساس أي ديمقراطية)، بل هو أيضاً سرقة لحقوق الآخرين من الكفاءات المستقلة والشباب والنساء والأطراف الأخرى التي لا تجد مكاناً لها في هذه الماكينة السياسية المغلقة. فالمنصب الذي يشغله هذا القائد المفرط في الوزن كان يمكن أن يشغله ثلاثة أو أربعة أشخاص، كل واحد يتفرغ لمنصبه ويبدع فيه. هذا على سبيل المثال فقط، تخيل لو أن وزيراً للتعليم كان متفرغاً تماماً للتعليم، بدلاً من أن يكون مشغولاً باجتماعات اللجنة المركزية لفتح وعلاقات منظمة التحرير الخارجية ولقاءات المجلس الوطني السنوية. أليس التعليم أولى به من السياسة الحزبية وقس ذلك على جميع الوزراء ورئيس الحكومة ورئيس السلطة الخ. الأدهى من ذلك، أن هذا التراكم يخلق تشابهاً عضوياً بين الهياكل المختلفة، بحيث يصبح من المستحيل محاسبة أي مسؤول. فإذا أخطأ الوزير الفلاني في ملف التعليم، فإنه يعاقب كوزير، لكنه يظل محتفظاً بعضويته في اللجنة المركزية لفتح. وإذا تعرضت اللجنة المركزية لانتقادات، فإن أعضاءها يحتمون بمناصبهم في السلطة. وإذا تحدثت عن الفساد في مؤسسة ما، تجد أن مديرها هو نفسه عضو المجلس الوطني الذي يفترض أن يمارس الرقابة. هذا صراع المصالح المزمن جعل من أي إصلاح حقيقي مستحيلاً، لأن الإصلاح يعني أن يبدأ القادة بإصلاح أنفسهم، وهو أمر لا يفعله أحد طواعية. هذا هو "نزيف المؤسسات" بعينه، حيث تتحول المؤسسات من أدوات لخدمة الشعب إلى دروع لحماية النخبة وتكليف ابنائهم في السلطة سفراء او مدراء أو مسؤولين. ثانياً: الانقسام بين فتح وحماس – صراع على السلطة أم صراع على مشروع وطني. من المهم أن نفهم أن الدعوة إلى الفصل بين مناصب حركة فتح،والسلطة، ومنظمة التحرير الفلسطينية ،لا تعني أبداً إنكار شرعية حركة فتح كحركة تحرر وطني؛ فتح هي حركة تاريخية قدمت تضحيات جسام، ومازالت تمتلك قاعدة شعبية واسعة. لكن المشكلة أن فتح تحولت تدريجياً إلى "دولة داخل الدولة" ، حيث أصبحت قرارات السلطة ومنظمة التحرير خاضعة لإملاءات اللجنة المركزية لفتح، وليس العكس. وهذا ما يفسر كيف يمكن لحركة فتح أن تتعامل مع حركة حماس بوصفها "خصماً سياسياً" في الضفة، بينما في غزة تتعامل معها كـ "سلطة أمر واقع". هذه الازدواجية ناتجة عن تداخل المناصب، لأن نفس الشخص الذي يفاوض حماس بصفته قائدا في فتح، أو في منظمة التحرير، هو نفسه الذي يقود حملة اعتقالات ضد أعضاء حماس بصفته مسؤولاً حكومياً في السلطة الفلسطينية وهذا يخلق تناقض في اداء المهام . أما الانقسام بين فتح وحماس، والذي بدأ عام 2007 بعد سيطرة حماس على غزة وانقلابها على السلطة التي منعت حكومتها من الاستمرار في العمل،أو كما تصفها حماس (بعملية الحسم)، فهو أيضاً نتاج جزئي لتداخل المناصب هذا؛ فلو كان هناك فصل واضح بين منظمة التحرير (التي يفترض أنها تمثل كل الفلسطينيين) وبين السلطة (التي هي إدارة مؤقتة فقط حتى الانتقال لوضع دولة مستقلة)، وبين حركة فتح (التي هي حزب سياسي)، لكان من الممكن إدارة الخلاف مع حركة حماس بشكل أكثر حكمة وانهاء الانقسام رغم كافة الضغوط الخارجية من واشنطن وتل ابيب والاتحاد الأوروبي وبعض الأنظمة العربية التي ترفض عودة حماس للسلطة الفلسطينية. بالطبع حماس ستتعامل مع منظمة التتحرير كإطار جامع رغم انها لا تؤمن بالخطوط السياسية العريضة للمنظمة،وهذا من حقها ان تكون بمثابة فصيل معارض من الداخل هي او اي فصيل آخر ، لا داعي لفرض شروط على دخول مؤسسات المنظمة،ومن حق اي فصيل ان يعارض بشكل ديمقراطي،ولاداعي ان تكون كافة فصائل المنظمة تحمل نفس الأفكار وعبارة عن نسخة واحدة وهكذا تفعل حكومة دولة الاحتلال الاسرائيلي لا تضع اي شروط على الأحزاب الصهيونية المتطرفة أن تعترف مثلا بالسلطة الفلسطينية او باتفاق اوسلوا لعام 1994 او الاعتراف بالدولة الفلسطينية او الاعتراف بقرارات الامم المتحدة الخاصة بفلسطين،كذلك مع السلطة كإدارة تخضع للقانون، ومع حركة فتح كمنافس سياسي. أما في الواقع الحالي، فحركة حماس ترى أن منظمة التحرير "مُختطفة" من قبل قادة فتح، والسلطة "مُصادرة" من قبل فتح، وبالتالي لا فرق بين التفاوض مع فتح والتفاوض مع السلطة أو المنظمة وهم وجهان لعملة واحدة، وهذا جعل أي جهد للمصالحة يفشل قبل أن يبدأ، لأن الثقة معدومة بين الطرفين، والحدود بين الأدوار مشوشة، على سبيل المثال كان القائد الفلسطيني/ عزام الأحمد ،هو المسؤول عن التفاوض مع حماس لإنهاء ملف الانقسام، وهو عضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح وعضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني وبهذا يكون حاز على كل المناصب وفي النهاية لم ينجز اي شيء وخسر عضوية اللجنة المركزية لفتح في انتخابات المؤتمر الثامن لحركة فتح وعلى اثر هذه الخسارة المدوية قدم استقالة من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ليرتاح سياسيا بعد مشوار طويل من النضال في عدة مناصب مختلفة أرهقته كثيرا. من جهة أخرى، فكرة الفصل الجذري التي نطرحها هنا، تعني عملياً أن حركة فتح يجب أن تنسحب من إدارة السلطة ومنظمة التحرير، وأن تتركها لكفاءات مستقلة وحزبية (بما فيها كوادر فتح نفسهم، ولكن بشكل فردي وبمنصب واحد فقط). بمعنى آخر، أعضاء فتح يمكنهم العمل في السلطة أو منظمة التحرير، ولكن ليس بصفة "ممثل لفتح"، وبشرط ألا يجمعوا بين منصبين. والرئيس مثلاً بغض النظر عن شخصه وأسمه بل (نقصد منصب الرئيس كرئيس) ، يجب أن يتخلى عن أي منصب حزبي في فتح، وأن يكون "رئيساً لكل الفلسطينيين" لا رئيساً لحركة معينة بعينها؛ هذه فكرة جذرية ولكنها ليست مستحيلة، وقد طبقت في ثورات تحرر أخرى حول العالم بعد الاستقلال، حيث تحولت حركات التحرر إلى أحزاب سياسية، وانفصلت عن الدولة ونجحت في ذلك. ثالثاً: الشطط في السلطة والفساد – كيف يتحول المنصب إلى مغنم وليس إلى واجب. هناك مصطلح شعبي فلسطيني يعبر عن هذه الظاهرة بدقة، "الشطط في السلطة"؛المقصود به أن تصبح السلطة الفلسطينية وكأنها "قطعة أرض" يتقاسموها، أو "نهر" من المال والنفوذ "يسبح" فيه الجميع (أي يغرفون منه دون حساب أو رادع). هذا "الشطط" أصبح ممكنًا تحديداً بسبب غياب الفصل بين المناصب؛فالقائد الذي يشغل خمسة مناصب لديه خمسة ميزانيات، وخمس صلاحيات، وخمس شبكات علاقات، وخمس طرق للإفلات من المحاسبة؛ والأخطر من ذلك، أن غياب التداول على المناصب (بسبب تجميد الانتخابات) جعل هؤلاء القادة يشعرون بأن المناصب ملك لهم مدى الحياة، وليست وديعة لدى الشعب يمكن استردادها في أي لحظة، باعتبارها (عقد اجتماعي ينتهي بانتهاء المدة المحددة قانونيا). إذا ما هو الفساد في هذا السياق؛ ليس بالضرورة فسادًا ماليًا فقط (رغم وجوده)، بل فساد إداري وسياسي أكبر. فساد يتمثل في الآتي: - تعطيل المؤسسات، القائد الذي يشتت وقته بين خمسة مناصب لا يستطيع أن يكرس نفسه لأي منها، فتتراكم الملفات، وتتوقف المشاريع، ويشل اتخاذ القرار. - تضارب المصالح، كيف يمكنك كوزير أن تراقب أداء موظفين هم أصلاً أعضاء في حزبك ويدينون لك بالولاء الحزبي قبل الولاء الوظيفي. -غياب الكفاءات، منصب وزاري يشغله قائد حزبي كبير قد لا يكون مؤهلاً أكاديمياً أو إدارياً، بينما هناك كفاءات مستقلة تنتظر في الطابور دون أن تجد فرصة. -انتشار المحسوبية، عند وجود شخص يتحكم في عدة مناصب، فإنه يميل إلى تعيين أنصاره وأقاربه (أو حتى أبناءه) في المواقع الحساسة، مما يخلق "عائلات حاكمة" جديدة داخل النظام وهذا ما يحصل في اجهزة السلطة الفلسطينية في تكليف السفراء وفي تكليف المسؤولين المدراء في الوزارات والهيئات الرسمية التي تجلب الأموال. هذا "الشطط" ليس مجرد انتهاك أخلاقي، بل هو عملية نزيف منهجي للمال العام والوقت والجهد والموارد وإعاقة التنمية البشرية الفلسطينية . فكل دولار او شيكل من النقود يُصرف على موظف لا يعمل بكفاءة بسبب تعدد مناصبه، هي تعتبر نقود مسروقة من مستشفى أو مدرسة أو مؤسسة أخرى . وكل قرار يُتخذ بشكل غير قانوني بسبب تداخل الصلاحيات هو قرار يضر بآلاف المواطنين الفلسطينيين، وكل منصب لا يشغله خبير متفرغ هو منصب ميت، وكل مؤسسة تدار بأشخاص مشغولين في مكان آخر هي مؤسسة مشلولة، الفلسطينيون يدفعون ثمن هذا "الشطط في استخدام السلطة والنفوذ" كل يوم في تراجع الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور الأمن، وانتشار اليأس بين فئات الشعب الفلسطيني. رابعاً: غزة تذبح والنخبة تناقش من يحضر المؤتمر – نزيف الأولويات القاتل أثناء كتابة هذه السطور، تُذبح غزة من الوريد إلى الوريد. قصف يومي، حصار خانق، مجاعة تهدد ملايين، مستشفيات بلا وقود، أطفال يموتون تحت الأنقاض. وفي المقابل، ما هو شاغل النخبة السياسية الفلسطينية في رام الله؛ مناقشة آلية انتخاب أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، أو المؤتمر الثامن، أو حصة المرأة والشباب في المجلس الثوري. وليس هذا فقط، بل إن العديد من هؤلاء القادة الذين يتناقشون في هذه القضايا "الجوهرية"، هم أنفسهم الذين يتنقلون بين مناصبهم المتعددة، ويستخدمون مقرات السلطة في مقاطعة رام الله، للتحضير لمؤتمرات فتح، وأجهزة الدولة لخدمة أغراض حزبية حيث يتدخل حرس الرئيس الفلسطيني للحفاظ على امن القاعة التي يجري فيها انتخابات معد،لها ولنتائجها مسبقا. هذا المشهد يمثل ذروة النزيف الرقمي والسياسي الذي تحدثنا عنه. إنه نزيف الأولويات في أنقى صوره، بينما الدماء تسيل في غزة بسبب حرب الابادة التي استمرّت عامين من اكتوبر2023 إلى أكتوبر2025 ومازالت مستمرة بشكل تكتيكي صامت، ينزف الوقت والجهد في نقاشات شكلية لا تقدم ولا تؤخر، وبينما الاحتلال الاسرائيلي يسرق الأرض ويبني المستوطنات، تنشغل النخبة بمن سيصبح أمين سر إقليم منطقة كذا، وبينما القدس تتهود وتُطمس هويتها، ينشغل القادة باجتماعات تحضيرية لمؤتمر لا يعرف أحد نتائجه إلا شخص واحد كتب اسماء الفائزين وعلى البقية التنفيذ في اجواء تشبه الانتخابات الديموقراطية ولكن في جوهرها وحقيقتها هي ديكتاتورية بغيضة تورث الأبناء وتتجاوز القوانين المعمول بها في فتح. السؤال؛ أين غزة من كل هذا، غزة هي رمز المعاناة الفلسطينية، وهي الورقة الأهم في أي مفاوضات مستقبلية، وهي البوصلة الأخلاقية للقضية. لكنها غائبة تماماً عن اهتمامات من يديرون السلطة. بل إن بعض قادة السلطة يتعاملون مع غزة كـ "عبء" أو "إحراج" أو "مشكلة أمنية" وليس كجزء لا يتجزأ من الوطن والهوية. هذا ناتج أيضاً عن تداخل المناصب، القائد الذي يرى غزة من زاوية أمنية بحتة (بصفته مسؤولاً في السلطة) لا يستطيع أن يراها من زاوية وطنية تحررية (بصفته عضواً في منظمة التحرير). فمصالحه المتضاربة تجعله عاجزاً عن اتخاذ موقف شجاع وواضح وفي النهاية يستخدم شماعة الانقسام ليحمل حماس ما وصلت له غزة، بسبب الانقسام، وعملية طوفان الأقصى، وما حل بعدها من حرب الإبادة ودمار للبنية التحتية في غزة، وسقوط الشهداء اكثر من 72 ألف شهيد،وأكثر من 173 الف جريح،اضافة للمهجرين قسراً في الخيام وكل ذلك بسبب ممارسات جيش الاحتلال الاسرائيلي وليس بسبب أن الشعب الفلسطيني قرر مقاومة دولة الاحتلال الاسرائيلي بعد سبعين عاما من الاحتلال . النتيجة، غزة تُذبح؛ وفتح تحتفل (بنتائج انتخابات المؤتمر الثامن للحركة)؛ والاحتلال الاسرائيلي يشرب من شلال الدماء الفلسطينية ،هذا النزيف الذي لا يتوقف، وتمضي اسرائيل قدماً في مشروعها التوسعي، حيث تعرف تماماً أن القادة الفلسطينيين مشغولين ببعضهم البعض أكثر من كونهم مشغولين بمقاومتها، ولن تفوت هذه الفرصة الذهبية ولذلك سمحت للسلطة بعقد المؤتمر في رام الله لانه لا يشكل خطرا عليها. في الوقت الذي كان فيه أبطال غزة يموتون جوعا وبردا ومهجرين قسرا تحت خيامهم الممزقة في مواصي خانيونس وغيرها من الأماكن، كان بعض قادة فتح يحضرون حفلات عشاء في فنادق رام الله مع مسؤولين أجانب لمناقشة "إصلاحات شكلية" لا تغير من الواقع شيئاً بل هناك من القادة من قام بزيارة خاصة إلى منزل زعيم حزب اسرائيلي/ بيني غانتس، هذا هو الفارق بين من يحمل مشروعاً وطنياً ومن يحمل مشروع كراسي والبحث عن المصالح الشخصية. خامساً: نموذج مقترح للفصل بين المناصب – كيف يمكن للفصل الجذري أن يوقف النزيف. بعد هذا التشخيص الموجع؛ نأتي إلى الجزء العملي؛ كيف يمكن تطبيق مبدأ الفصل بين المناصب في الواقع الفلسطيني؛ وما هي الآليات التي تجعل هذا الفصل ممكناً وجذاباً بدلاً من أن يكون مجرد شعارات عاطفية تستخدم للمزاودة على انفسنا وعلى الاخرين وهي: 1- قاعدة المنصب الواحد لكل قائد يجب أن تصبح قانوناً نافذاً. أي لا يجوز لأي شخص أن يشغل أكثر من منصب سيادي واحد في أي من الهياكل الأربعة: (أ ) حركة فتح (كعضو في لجنتها المركزية أو مجلسها الثوري)، (ب) السلطة الفلسطينية (كوزير أو محافظ أو رئيس هيئة)، (ج) منظمة التحرير (كعضو في اللجنة التنفيذية أو المجلس الوطني)، (د) المجلس التشريعي (كنائب برلماني). إذا كان شخص معين يمتلك خبرة وكفاءة، فعليه أن يختار منصباً واحداً فقط ويتفرغ له تماماً، ويتخلى عن الباقي لصالح آخرين. هذا سيزيد عدد المشاركين في صنع القرار بشكل كبير، وسيُدخل دماءً جديدة إلى المؤسسات. 2-الفصل الوظيفي بين فتح والسلطة أي يجب أن تتوقف حركة فتح عن اعتبار السلطة الفلسطينية "مكاسبها الانتخابية" أو "غنيمتها الحزبية". السلطة هي إدارة مدنية مؤقتة، هدفها تقديم الخدمات للمواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس مرحلة انتقالية إلى أن تتشكل (الدولة الفلسطينية المستقلة). كما ان أداء السلطة الفلسطينية،لا يجب أن يرتبط بأداء حركة فتح او بحركة حماس، ويجب أن يكون الموظفون في السلطة (بمن فيهم الوزراء) من المهنيين المستقلين الذين يتم اختيارهم عبر لجان خبرة وشفافية، وليس عبر الولاء الحزبي. أعضاء فتح أو حماس، يمكنهم العمل في السلطة، ولكن ليس كـ "ممثلين لفتح او حماس" ولا بصفة حزبية، وبشرط ألا يكونوا في نفس الوقت قادة في فتح وفي حماس. رئيس السلطة نفسه يجب أن يكون مستقلاً حزبياً أو على الأقل يتفرغ للسلطة فقط ولا يكون مشغولا كزعيم لحركة حماس او حركة فتح او اي حزب يفوز بهذا المنصب. 3-إعادة هيكلة منظمة التحرير لتصبح إطاراً جامعاً لا واجهة لحركة فتح ،منظمة التحرير الفلسطينية تمثل كل الفلسطينيين في الداخل والخارج، وليس فتح فقط. لذلك، يجب أن يكون أعضاء اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني من جميع الفصائل والتيارات المختلفة داخل فلسطين وخارجها، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي والشخصيات المستقلة، وبحيث لا تتجاوز نسبة فتح فيها ثلث الأعضاء مثلاً؛والأهم، لا يجوز أن يكون عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير هو نفسه وزيراً في السلطة أو قائداً في فتح. منظمة التحرير هي المسؤولة عن التمثيل الدبلوماسي والسياسي، والسلطة هي المسؤولة عن الإدارة اليومية. الفصل يمنع تضارب المصالح ويسمح لكل جهة بالتركيز على دورها. 4- انتخابات حرة ودورية لا يمكن تطبيق أي فصل دون اللجوء إلى صناديق الاقتراع. يجب إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وانتخابات للمجلس الوطني والمجلس الوطني، في أسرع وقت ممكن، بغض النظر عن الظروف. هذه الانتخابات ستجبر القادة على التخلي عن بعض مناصبهم (لأنهم سيخوضون انتخابات على منصب واحد فقط)، وستتيح الفرصة لكفاءات جديدة للظهور، وستعطي شرعية حقيقية للمؤسسات. تخويف البعض من أن الانتخابات قد تؤدي إلى فوز حركة حماس مجدداً ،هو تخوف غير مبرر، لأن الديمقراطية الحقيقية هي التي تحمي المشروع الوطني، وليس الحماية الأمنية أو التزوير. 5-بناء ثقافة سياسية جديدة عبر الفصل بين المناصب، يحتاج ذلك إلى (ثورة ثقافية)، في طريقة تفكير النخب والجمهور الفلسطيني على حد سواء. يجب أن يقتنع الجميع أن المنصب ليس مغنماً بل تكليف وليس تشريف او توريث، وأن الشخص الذي يشغل عدة مناصب ليس بطلاً أو عبقرياً، بل هو عائق للتطور. يجب أن يفخر القائد عندما يقول، "أنا متفرغ لمنصبي الوحيد، وقد استقلت من البقية لأعطي فرصة لغيري"؛ هذه الثقافة تحتاج إلى قدوة من أعلى الهرم وليس العكس، وأن يبدأ كبار القادة أنفسهم بتطبيقها قبل أن يطلبوا من الآخرين تنفيذها. هذا النموذج ليس خيالياً أو مثاليًا أكثر من اللازم كما يزعم (البعض من المتضررين). لقد طبقته حركات تحرر عديدة في العالم بعد استقلالها مثل ،حزب المؤتمر في الهند بعد 1947 ، لقد فصل بين الحزب والدولة، وكذلك احزاب وحركات تحرر عالمية كثيرة فعلت الشيء نفسه، كذلك حركة حماس عليها أن تفعل ذلك، بعد العمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني اليوم قبل غداً، لكن الفارق أن (الإرادة الفلسطينية) بشكل عام في الضفة وغزة والقدس مفقودة حتى الآن. لكن مع استمرار النزيف، قد يصبح الفصل ضرورة وجودية لا خيار فيها لصناع القرار الفلسطيني والتاريخ لن يرحم احد. الخاتمة: وقف النزيف يبدأ من الداخل، ولا يمكن للاحتلال أن يُهزم بقيادة نازفة الخلاصة المركزية لهذا المقال الموجع، هي أن القضية الفلسطينية لم تعد مهددة فقط من الاحتلال الإسرائيلي، بل ومن الداخل الفلسطيني نفسه. إن تداخل المناصب وتضخمها، واحتكار النخبة لصنع القرار، وغياب الفصل بين حركة فتح والسلطة ومنظمة التحرير والمجلس التشريعي، كلها عوامل تسببت في نزيف مزمن للطاقة والمال والوقت والمصداقية. لقد أصبح القادة مشغولين ببعضهم البعض وبكراسيهم وبمؤتمراتهم الحركية ،أكثر من كونهم مشغولين بإنقاذ ما يتبقى من وطن يتفكك يومياً. الاحتلال الإسرائيلي ينمو ويتوسع في الاستيطان ، ويستعمر ويشرعن كما يشاء بدعم من واشنطن، بينما فلسطين تتكمش وتنزف؛ إسرائيل تبني المستوطنات وتربطها بطرق الالتفاف وتضم الأراضي بحكم القانون الإسرائيلي لدولة الاحتلال، وتسعى لتوقع اتفاقيات تطبيع مع دول عربية وإسلامية جديدة في المنطقة وخارجها، وتطور اقتصادها وجيشها وتكنولوجيتها؛ وفي المقابل، فلسطين غارقة في جدال عقيم حول من يحضر المؤتمر الثامن لفتح، ومن يرث منصب فلان، وكيف نوزع المناصب بين الشخصيات والعائلات المؤثرة. هذا التناقض لا يمكن أن يستمر دون أن يدفع الفلسطينيون ثمنه غالياً. لقد حان وقت الجرأة، لا يمكن تحقيق نصر على الاحتلال الاسرائيلي بقيادة نازفة ومشرحة على طاولة الصراعات الداخلية؛ لا يمكن بناء دولة، والمؤسسات تتداعى من الفساد والتضخم؛ لا يمكن تحرير القدس المحتلة؛ وقادة التحرير مشغولين بكراسيهم؛ الحل يبدأ من خطوة واحدة لكنها جريئة، فصل المناصب عن بعضها، وتوزيعها على أكبر عدد ممكن من الكفاءات البشرية الفلسطينية، وإجراء انتخابات حرّة للرئاسة والتشريعي، وإعادة بناء الثقة بين الشعب الفلسطيني والقيادة،نعلم إنه مشروع طويل وشاق، لكنه البديل الوحيد أمام الاستمرار في النزيف حتى الموت السريري للمشروع الوطني الفلسطيني الموسوم حالياً بالتوريث. أما إذا استمر الحال على ما هو عليه من شطط في استخدام الصلاحيات من طرف صناع القرار، فسيكون مصير فلسطين كمصير جثة هامدة لا يشعر أحد بنزيفها، بينما الذئاب (الاحتلال الاسرائيلي وحلفاؤه) تتقاسم أطرافها،لهذا كافة القادة الفلسطينيون اليوم ،مطالبون باختيار واضح، إما أن يتحلوا بالشجاعة لإصلاح ذات البين، وبدء عملية فصل جذرية للمناصب وإعادة هيكلة المؤسسات الفلسطينية وضخ دماء جديدة فيها ليس بالتوريث طبعا، وإما أن يتحملوا مسؤولية تاريخية عن ضياع الفرصة الأخيرة لإعادة اصلاح منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والمجلس الوطني واجراء انتخابات الرئاسية والتشريعية بدون تأخيرها. فالشارع الفلسطيني لم يعد يحتمل المزيد من الوعود، والأرض لم تعد تحتمل المزيد من الاستيطان الإسرائيلي، والدم الفلسطيني النازف لم يعد يحتمل المزيد من التسيب. كفى نزيفاً ياصانع القرار،حان وقت التوقف والجراحة وإصلاح الخلل الجسيم.

بريطانيا تمنع صحفيين أمريكيين من دخول أراضيها بسبب تصريحات معادية لإسرائيل

صفقة أمريكية: منع اجتياح بيروت مقابل وقف تصعيد "حزب الله"..وقاليباف يتهم واشنطن

المرشحان اليساري و اليميني لرئاسة كولومبيا نحو جولة ثانية

اليوم 95..حرب إيران: كسر عسكري للتهدئة وتصعيد كلامي من ترامب..وفوضى سياسية في طهران

مقترح أميركي لتهدئة جديدة في لبنان تبدأ من حزب الله

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من أمد للاعلام

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)