f 𝕏 W
جراح السرد: من صدمة الغيرية إلى تضميد الذاكرة

أمد للاعلام

رياضة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

جراح السرد: من صدمة الغيرية إلى تضميد الذاكرة

تعميقه وتوسيعه في السنوات الأخيرة. هذا المشروع لا يُقرأ بمعزل عن مؤلفه 

أمد/ حين نتأمل الكتاب الجديد للدكتور محمد الداهي الموسوم بـ "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" (المركز الثقافي للكتاب، 2026)، ندرك منذ الصفحات الأولى أننا أمام حلقة جديدة في مشروع نقدي طويل النفس، انخرط فيه المؤلف منذ عقود، وواصل تعميقه وتوسيعه في السنوات الأخيرة. هذا المشروع لا يُقرأ بمعزل عن مؤلفه السابق "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" الذي حاز جائزة الشيخ زايد العالمية في صنف "الفنون والدراسات النقدية" سنة 2021، بل يُعتبر امتدادًا له وتطويرًا لأفقه النظري والتطبيقي.

يُظهر هذا المسار أن محمد الداهي لا يكتفي بالاشتغال على النصوص الأدبية في حدودها الجمالية، بل يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم النقد ذاته، عبر استلهام الأدوات والمفاهيم الحديثة في النقد الغربي، ثم إعادة توطينها في السياق العربي، ليبرهن أن العرب – شأنهم شأن غيرهم من الأمم – قادرون على الإسهام في المسار الكوني للمعرفة الأدبية والفنية. إنّ هذا الانخراط يضعه في مصاف النقاد العرب والمغاربة الذين يطمحون إلى تأسيس نقد جديد، يتجاوز التكرار ويواكب التحولات المعرفية الكبرى.

ويبدو واضحًا أن الداهي في مؤلفاته الأخيرة يواكب التحول من إبدال "الأدبية" الذي ميّز المرحلة البنيوية، حيث كان التركيز منصبًا على طبيعة النص الأدبي وسماته الفنية، إلى إبدال "كتابات التدخل" التي أعادت الاعتبار إلى جدوى الأدب في الحياة اليومية. هذا التحول يفتح النصوص على الذاكرة الجماعية، ويستدعي المحكيات الصغرى، ويعيد كتابة التاريخ من الأسفل، أي من زاوية المهمّشين والضحايا والتابعين الذين طالما ظلّت أصواتهم خارج السرد الرسمي.

إنّ كتاب "جراح السرد" يندرج في هذا الأفق، حيث يُحفّز الضحايا على المكاشفة بسرد محكياتهم الموازية، ويمنحهم إمكانية تضميد جراحهم الرمزية عبر الكتابة. بهذا المعنى، يصبح الأدب أداة علاجية، ووسيلة لإعادة بناء الذات والجماعة، ومجالًا لإعادة التفكير في علاقة الفرد بالآخر، وفي صدمة الغيرية التي تُعيد تشكيل الهوية وتفتحها على أفق إنساني أوسع.

يأتي كتاب "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" للدكتور محمد الداهي امتدادًا طبيعيًا لمسار نقدي طويل، سبق أن دشّنه بعمله "صورة الأنا والآخر في السرد" (2013)، وهو الكتاب الذي نفد سريعًا بعد صدوره وترك أثرًا بالغًا في الذاكرة النقدية العربية، لما حمله من جرأة في مساءلة علاقة الذات بالآخر وتمثيلها سرديًا. غير أن السنوات التي تلت صدور ذلك العمل لم تكن عادية؛ فقد شهد العالم العربي تحولات جيوسياسية عاصفة، واستقواءً متزايدًا للغرب، وتفككًا داخليًا للأمة العربية، فضلًا عن الممارسات الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل وحلفاؤها بحق الشعب الفلسطيني، والتي شكّلت صدمة جماعية وإنسانية عميقة. هذه السياقات التاريخية والسياسية لم تكن مجرد خلفية، بل كانت دافعًا مباشرًا للكاتب كي يعيد النظر في موضوعه، ويوسّع أدواته ومصادره، ويستعين بمقاربات جديدة مثل السيميائيات ودراسات الصدمة (Trauma Studies)، ليمنح مشروعه النقدي أفقًا أكثر تركيبًا وشمولًا.

لقد وسّع الداهي المتن المدروس ليشمل أربع عشرة رواية وتسع عشرة سيرة ذاتية، موزعة بين خمسة عشر عملًا عربيًا وثمانية عشر عملًا غربيًا، مما يعكس حرصه على المقارنة بين التجارب السردية في المركز والمحيط، وعلى إبراز كيفية تفاعل الأدب مع الصدمات التاريخية والوجودية عبر ثقافات متعددة. هذا التوسيع لا يقتصر على الكم، بل يفتح المجال أمام مساءلة عميقة للكيفية التي يُعاد بها بناء الهوية عبر السرد، وكيف يُستخدم الأدب كأداة مقاومة أو تضميد لجراح الذاكرة.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من أمد للاعلام

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)