قصة قصيرة كان يمتلك دكاناً في وسط البلد وقد فتح الله عليه من بركاته فتحول الدكان الى مقصد الناس. يشترون حوائجهم المتنوعة ويتسامرون مع صاحب الدكان الذي كان للباقته ولطفه النصيب الأكبر من إقبال الناس عليه. مرزوق ابن صاحب الدكان نشأ وتعلّم من خيرات الدكان وكان يساعد والده فيه، لكن في نفسه غصّة لأن أصحابه بالمدرسة كانوا يعيبون عليه أن أباه صاحب دكان صغير فيما أنهم أبناء موظفين حكوميين أو موظفين في شركات، أو أنهم أصحاب أراضي! توفي أبومرزوق. رحم الله أبا مرزوق بينما ولده الوحيد مرزوق كان بالثانوية العامة فقعد عن الدراسة. اضطر مكرهًا أن يلازم دكان أبيه المرحوم فهو ما يصرف عليه وعلى أمه، وفي القلب غصّة إذ ارتقى أصحابه الجامعة وهو تفرغ للانفاق على نفسه وأمه. لم يكن مرزوق ممن رزقهم الله برجاحة العقل أو اللطافة بل كان جِلفًا صخابًا رداحًا على عكس والده المتوفي..رحمه الله في أثناء دراسته لطالما كانت سيارة الشرطة تتموضع أمام البيت أو الدكان طالبة تسليم مرزوق. قضى أيام دراسته بين المدرسة والسجن والبيت فلم يُفلح، لتجيء مناسبة موت الوالد فتعفيه من إكمال الثانوية العامة والجامعة، ولكن في القلب غصّة. في دكان الوالد الهاديء اللطيف الذي كان منتجعًا لأهل البلد تحول بإدارة مرزوق الى خرابة! لا يدخلها إلا من استغنى عن عمره إذ لطالما وجد مرزوق سببًا لافتعال شجار أو تهكم أو تنفيس غضب أوشتيمة. تحول الدكان الى خرابة فلا يدخله الا المضطّر، وعزفت عن ارتياده النساء أولئك اللاتي كان أبومرزوق يحترمهن ويلاطفهن بأدب خاصة كبيرات السن كيف لسيدة بعمر والده أن تدخل الدكان ومرزوق الصخّاب يقتنص الفرص للإساءة الى هذا وذاك وهو ما كان من كثير استهزائه بالنساء الكبيرات وطلباتهن الصغيرة! أسقط في يد مرزوق وكانت الأيام تمر عليه وهو "ينش الذباب" حيث لا يدخل محله أحد حتى جاع وأمه. بلال صديقه الوحيد وهو أيضًا ساقط ثانوية عامة بامتياز، همس في أذنه أن سبب ما يحصل له هو اسم المحل! مرزوق: كيف ذلك؟ بلال: اسمه بقالة الأمانه مرزوق: طيب! بلال: والناس اليوم تسمي محلاتها بأسماء افرنجية؟ ألم تنظر الى لافتات البلد البراقة التي خُطت بلغة أجنبية واسم أجنبي ويتوافد عليها الأمير والحقير! والفهمان والغبي! مرزوق: يعني رأيك أن نسمّي الدكان باسم أجنبي؟ بلال: نعم انخرط الصديقان المغفلان في بوتقة تفكير -أو كأنها تفكير- عجيبة لم يختبراها من سنوات! ولربما لم يختبراها طوال عمرهما، يتطارحان المسميات الأجنبية العجيبة مستعينين بمن يتقن اللغة الانجليزية ممن عرفوه بالمدرسة، حتى استقر رأيهما على اسم جذاب كما افترضوا وهو "هونست سوبرماركت". كلمة "هونست" تلفظ بالانجليزية "أونست" لكن حدود معلومات من استشاروه كانت مصرة على "هونست" كما كلمة "هونور" وهي "أونور" أي شرف أو كرامة! فرِح مرزوق بالاسم الأجنبي لدكانه، وأخذ يتدرب على لفظه يوميًا وفي كل ساعة! وأمام أمه المكتئبة به، بل وأمام المرآه ليرى مطّ شفتيه عندما يلفظ حرف الهاء مضمومًا، وبمواجهة عابري السبيل وصائحًا به بقوة ليصل شرفة الجيران وسيارات الأجرة! الاسم "هونِست سوبرماركت" ذو رنّة أفضل من "دكان الأمانة" وحسب، وبلال قال له أنه سيجذب إليه المواطنين والسياح رغم أن البلد أصلًا غير سياحي البتة! أغلق مرزوق الدكان عدة أيام حتى يتم تجهيز اللافتة بالاسم الأجنبي التافه البرّاق وبالخط الأجنبي أيضًا! في اليوم الموعود وموعد افتتاح الدكان باللافتة الجديدة دعى مرزوق أهل الحارة، ووزّع الكنافة والبقلاوة مرحبًا فيهم في "هُونست سوبرماركت"! قالها مرات ثمانية ماطًا شفتيه الى الأمام حتى ظنوه قد علّق! لم يفهم أحد معنى التغيير! ولا معنى الإسم وإنما أكلوا الحلويات وهم غير فاهمين ما الذي تغيّر؟ فما تغير بالدكان إلا يافطة بلا أي معنى أو أية صلة بالناس! ككثير من لافتات ذاك الحي الراقي بالبلد- التي لايفهم معناها أحد- وهو الحي الذي يؤمه الأمير والحقير مباهاة واستعراضًا وغباءً أنهم يرتادون أو يشترون من المحل الفلاني باسمه الأجنبي التافه البرّاق! يدفعون ضِعف السعر وهم أسرى الافتتان بزبالة بالأجنبي ومنتجاته الماكرة اللّميعة منها والبديعة، وتذهب الأموال أو فروقاتها لجيب ملوك التكسب على ظهر جهالة الناس وغبائها وحبها لكل ما هو افرنجي حتى الاسم وفق المقولة الشائعة "كل افرنجي برنجي!" المهم أن مرزوق بعد أن صرف أخر ما يملك على اللافته وسدور الكنافة والبقلاوة توقع إقبالًا انتظره لأيام طوال... ولكن هيهات مرت الأيام ثقيلة ولم يظهر بلال خوف أن يتلقى ملامة صاحبه ولعله ترك البلد غير آسف وبقي مرزوق وأمه في حالة انتظار للفرج، والغصّة لا تبارح حلق مرزوق. في اليوم الثامن، بدا وكأن الحظ ابتسم لمرزوق، وكأن غصته ستزول! إذ أقبل نحو الدكان أو عفوًا نحو "الهونست سوبرماركت" عدد من زملاء مرزوق الذين دخلوا الجامعة. كانوا يتضاحكون ويقهقهون ويشيرون بصخب للافتة التي كُتبت بالانجليزية بأحرف كبيرة، وتحتها بالأحرف العربية الأقل حجمًا "هونست سوبرماركت"! فلم يُفهَم لضحكاتهم سببًا، حتى تاريخ آخر ضحكة ضحكها مرزوق!
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
💬 التعليقات (0)