تشير القراءات السياسية الحالية إلى أن الولايات المتحدة قد تمضي قدماً في إبرام اتفاق مع إيران بمعزل عن الرغبة الإسرائيلية المعلنة، إلا أن هذا لا يعني تغييب المصالح الإسرائيلية كلياً، بل يضعها في قلب معادلة معقدة تحكمها علاقة إدارة ترامب بحكومة الاحتلال. وتتداخل في هذا المشهد دوافع الطرفين من المواجهة مع طهران، وسط متغيرات إقليمية فرضت معادلات جديدة لم تكن قائمة من قبل.
ويبدو في الأفق أن خيار الحرب الشاملة ذات الأبعاد الإقليمية أو العالمية بات مستبعداً في الوقت الراهن، حيث يُنظر إليه كمغامرة غير محسوبة العواقب بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة. ويأتي هذا التراجع في ظل فشل الجولات السابقة في تحقيق أهدافها الجوهرية، بالإضافة إلى ضغوط داخلية وعوامل دولية أبرزها الدور الصيني المتنامي في المنطقة.
وفي ظل استبعاد التوصل إلى سلام شامل ودائم نظراً للفجوة العميقة في الشروط والمواقف، يبرز خيار الاتفاق الجزئي والمؤقت كحل عملي وحيد متاح حالياً. هذا الاتفاق، رغم هشاشته المتوقعة، قد يكون الوسيلة التي تفضلها واشنطن لتخفيف حدة التوتر أو كأداة للضغط على طهران لتحسين شروط التفاوض في مراحل لاحقة.
بالنسبة لإسرائيل، يمثل توقيع واشنطن على مثل هذا الاتفاق إخفاقاً استراتيجياً مدوياً، حيث يكرس عجزها عن تحويل فائض القوة العسكرية والدعم الأمريكي المطلق إلى إنجازات سياسية ملموسة. ويعني هذا الفشل بقاء جبهات غزة ولبنان وإيران مفتوحة كبؤر استنزاف دائمة، بدلاً من إنهاء التهديدات كما خططت تل أبيب بعد السابع من أكتوبر.
إن انتهاء المواجهة العسكرية عبر مسار دبلوماسي أمريكي يثبت حقيقة أن قرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط قد سُحب من يد بنيامين نتنياهو وحكومته. وأصبح هذا القرار رهناً برؤية ترامب وفريقه، خاصة إذا ما امتدت التفاهمات لتشمل الساحة اللبنانية، مما يقلص هامش المناورة الإسرائيلي إلى مستويات غير مسبوقة.
ويتزايد القلق الوجودي داخل الأوساط الإسرائيلية نتيجة هذه التحولات، حيث ترى أن بقاءها طويل الأمد مرتبط بنظام دولي ودعم غربي يمر بمرحلة من التحول وعدم اليقين. وتخشى تل أبيب من انغلاق 'النافذة التاريخية' التي كانت تتيح لها فرض وقائع ميدانية يصعب تغييرها مستقبلاً، مما يدفعها للتحرك العنيف في الوقت الضائع.
💬 التعليقات (0)