f 𝕏 W
"أجنحة الأمل والنور" للأردنية رزان الرابي: إعادة صياغة الألم.. ونافذة لا تسمح بالنسيان

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 14 د قراءة
زيارة المصدر ←

"أجنحة الأمل والنور" للأردنية رزان الرابي: إعادة صياغة الألم.. ونافذة لا تسمح بالنسيان

الإثنين 01 يونيو 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

كان ذلك قبل أيام خَلَت عندما وصلتني رسالة من محرر جريدة الأيام الجزائرية الأخ المبدع خالد عز الدين يطلب مني كتابة قراءة نقدية لرواية "أجنحة الأمل والنور"، ظننت في البداية أنني سأتعامل مع نص أدبي آخر يمر عبر الذاكرة كغيره من النصوص، أقرأه بعين الناقد، وأغادره بهدوء بعد انتهاء القراءة؛ لكنني لم أكن أعلم أنّ تلك الرسالة الصغيرة ستفتح فجأة أبوابًا موصدة في القلب، وأنها ستوقظ في داخلي أرشيفًا كاملًا من الوجع النائم يستحضر وجوهًا غابت، وأصواتًا انطفأت، وذكريات ظننت طويلًا أنّ الزمن استطاع تهدئتها.أذكر أنني بقيت للحظات أحدّق في عنوان الرواية، بينما كان شيء غامض يتسلل ببطء إلى أعماقي. كان العنوان وحده كافيًا ليربك قلبي "أجنحة الأمل والنور"… ويكأنّ الكلمات جاءت محمّلة بأرواح أولئك الذين مرّوا من هنا ذات ألم، ثم رحلوا تاركين خلفهم فراغًا لا يملؤه شيء.كانت رسالته بسيطة في ظاهرها، لكنها لعمري ثقيلة في أثرها؛ إذ أخبرني برغبته في نشر قراءات نقدية لهذا العمل الروائي لما يحمله من أبعاد إنسانية عميقة تتناول مرضى السرطان ومعاناتهم النفسية والوجودية، وكيف يمكن للأمل أنْ يولد حتى من قلب الألم.وما إنْ بدأت أتصفح الرواية حتى عاد شريط الذاكرة إلى الخلف دفعة واحدة…عاد بي الزمن إلى صديقتي الراحلة الأخت الغالية مها أبو سرور، والتي اختطفها هذا المرض اللعين قبل أقل من شهر.تذكرت ضحكتها، وشغفها بالحياة، وحضورها الإنساني النبيل، وكيف كانت تقاوم الألم بابتسامة تشبه الضوء.كانت تحب الحياة بطريقة تجعل مَن حولها يؤمنون أنّ الروح الجميلة لا تهزم بسهولة حتى وهي تتآكل بصمت. ثم قفزت الذاكرة فجأة نحو وجوه أخرى رحلت بالطريقة ذاتها… وجوه أحببناها طويلًا، ثم اختطفها السرطان دون رحمة، تاركًا في القلب فراغات لا تُملأ. وفي مقدمة هؤلاء جميعًا حضرت أمي… حبيبة قلبي التي رحلت قبل أربع سنوات بعد رحلة موجعة مع المرض.لقد عشت معها كل تفاصيل تلك الرحلة الثقيلة منذ لحظة اكتشاف المرض الأولى، مرورًا بجلسات العلاج الكيماوي، وتبدلات الجسد، وانطفاءات التعب، وحتى اللحظة الأخيرة التي ودعت فيها الحياة.كنت أراقبها وهي تتشبث بالأمل كلّ يوم، وكيف كانت تحب الحياة بصورة مؤلمة، وكأنها تخشى أنْ تترك الأشياء التي أحبتها خلفها.كانت تؤمن بالشفاء حتى في أشد اللحظات قسوة، وكانت تتحدث عن الأيام القادمة وكأنها قريبة جدًا، فيما كان المرض يسرقها منا ببطء موجع لا يُرى.لهذا كله… أردت في البداية أنْ أعتذر عن كتابة هذه القراءة. شعرت أنّ الرواية لن تكون مجرد نص أدبي بالنسبة لي، إنما ستكون مواجهة مباشرة مع الذاكرة، ومع الفقد، ومع تلك الوجوه التي لم تغادر القلب يومًا.لكنني بعد تردد طويل أدركت أنّ الكتابة عنها ستكون بمثابة شكل من أشكال الوفاء.فكتبت… كتبت تخليدًا لذكرى أمي، ولروح الأخت الغالية مها أبو سرور، ولكل مَن عبروا هذا الألم بصبر ومحبة، ثم رحلوا تاركين في أرواحنا أثرًا لا يزول.وكتبت أيضًا لأنّ هذه الرواية لا يقتصر حديثها عن المرض وحده، فهي تتحدّث عن الإنسان الذي يقف عاريًا أمام هشاشته، ثم يحاول رغم ذلك أنْ يحب الحياة، وأنْ يضيء عتمة الآخرين ولو كان قلبه مثقلًا بالأوجاع.ومن هنا جاءت هذه القراءة ممزوجة بالذاكرة، والوجع، والوفاء، والإيمان العميق بأنّ الأدب الحقيقي هو ذاك الذي يجعلنا نرى أنفسنا داخل صفحاته.تأتي رواية "أجنحة القلم والنور" للكاتبة رزان نواف حلمي الرابي عملًا إنسانيًا وجدانيًا يتكئ على الألم كمعبر نحو النور، ويجعل من معاناة مرضى السرطان مادة سردية نابضة بالحياة والوعي والرجاء.تُعدّ الكاتبة رزان نواف حلمي الرابي من الأصوات الأدبية العربية الشابة التي بدأت تبرز في مجال الرواية الإنسانية والاجتماعية ذات الطابع النفسي الوجداني، وقد ارتبط اسمها مؤخرًا بصدور روايتها "أجنحة الأمل والنور" التي تناولت قضية مرضى السرطان، ومعاناتهم النفسية والإنسانية بلغة يغلب عليها الحس التأملي والبعد الروحي.وبحسب المعلومات المتاحة فإنّ رزان الرابي تنتمي إلى الأردن، وتعمل كذلك في مجال تدريس اللغة العربية، الأمر الذي يفسر حضور اللغة الأدبية الوجدانية في نصوصها، واعتمادها على الصور البلاغية والتراكيب ذات النفس الشعري، كما يظهر من أسلوبها ميل واضح إلى الأدب الإنساني الذي يركز على الألم النفسي، والتحولات الداخلية للشخصيات، وأسئلة الحياة والموت، وقيمة الأمل في مواجهة الانكسار.وقد وصفت روايتها "أجنحة الأمل والنور" بأنها تنتمي إلى الأدب الاجتماعي الإنساني المعاصر، إذ لا تنظر إلى السرطان كونه تجربة وجودية كاملة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتدفعه إلى مراجعة معنى الحياة والعلاقات والوعي بالذات.ومن خلال تتبع لغة الرواية وبنيتها يمكن ملاحظة سمات بارزة في تجربة رزان الرابي الأدبية أذكر منها:-اعتمادها على السرد الشعوري أكثر من السرد الحدثي.-توظيف ثنائية النور والعتمة بوصفها رمزًا للتحول النفسي.-التركيز على البعد الإنساني العاطفي للشخصيات.-استخدام لغة شفافة مشبعة بالمجازات الضوئية والوجدانية.-الميل إلى الخطاب التحفيزي التأملي الذي يمنح النص طابعًا روحيًا.كما تبدو الكاتبة مهتمة بإبراز دور الكتابة كوسيلة مقاومة وشفاء نفسي، وهو ما يظهر بوضوح في شخصية "سلمى" بطلة الرواية، والتي تتحول فيها الكتابة إلى فعل نجاة داخلي.والرواية صدرت عن مبادرة السارة للطباعة والتوزيع، وجاءت في (174) صفحة ضمن الأدب الاجتماعي المعاصر.ورغم حداثة حضورها في المشهد الروائي إلّا أنّ تجربة رزان الرابي تكشف عن حساسية إنسانية واضحة، واهتمام بالأدب الذي يلامس التجارب القاسية للإنسان خصوصًا تلك المرتبطة بالفقد والمرض والصمود النفسي، وهو ما يجعل كتابتها أقرب إلى "أدب المواساة الإنسانية" الذي يسعى إلى منح القارئ شعورًا بالأمل، والقدرة على الاستمرار رغم الألم.والرواية، وإنْ بدت في ظاهرها حكاية مريضة سرطان، إلّا أنها في عمقها رواية عن الإنسان عندما يُدفع إلى حافة هشاشته، فيكتشف فجأة أنّ الحياة أكبر من الألم، وأنّ الروح قادرة على صناعة الضوء حتى في أكثر اللحظات عتمة.تقوم رواية "أجنحة الأمل والنور" للكاتبة رزان نواف حلمي الرابي على بنية سردية إنسانية تتجاوز مفهوم الرواية العلاجية أو رواية المرض إلى فضاء أكثر اتساعًا وعمقًا، إذ تتحول التجربة المرضية داخل النص إلى معبر فلسفي وروحي يعيد مساءلة معنى الإنسان، وجدوى الألم، وقدرة الروح على ترميم ذاتها حتى في أكثر اللحظات هشاشة. ومن هنا فإنّ القيمة الحقيقية للرواية تكمن في الحدث الحكائي إلى جانب طاقتها الشعورية، وفي قدرتها على تحويل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني عام يمسّ القارئ من الداخل.ومنذ الوهلة الأولى التي تقع فيها العين على عنوان رواية "أجنحة الأمل والنور" يشعر القارئ أنه أمام نص يسرد الحكاية، ويسعى إلى بناء عالم رمزي كثيف تتحول فيه الكلمات إلى كائنات مضيئة، ويتحول الألم إلى مادة روحية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فالعنوان إلى جانب تأديته لوظيفة تعريفية فإنه يمثل البوابة التأويلية الكبرى التي يدخل منها القارئ إلى فضاء الرواية النفسي والإنساني.إنّ الكاتبة رزان نواف حلمي الرابي لم تختر مفرداتها اعتباطًا، إنما بَنَت عنوانها على ثلاث ركائز رمزية متجاورة: "الأجنحة"، و"الأمل"، و"النور"، وهي ثلاثية تؤسس منذ البداية لفكرة التحليق الروحي، والانتصار الداخلي على هشاشة الجسد.وفي زمن تتكثف فيه التجربة الإنسانية بين هشاشة الجسد وضغط الوعي تبرز رواية أجنحة الأمل والنور لتضع الإنسان في مواجهة عارية مع حدوده القصوى، فلا يعود المرض حدثًا طبيًا؛ لكنه يتحول إلى تجربة وجودية شاملة تعيد تفكيك علاقة الذات بذاتها وبالعالم.فالرواية تنفتح منذ عتبتها الأولى على سؤال المعنى في لحظة الانكسار في الوقت الذي تتراجع فيه اليقينيات الكبرى لصالح قلق داخلي يتسرب إلى تفاصيل الإدراك اليومي، فيغدو الجسد مجالًا للتهديد، والزمن مساحة غير مستقرة، والهوية بِنية قابلة لإعادة التشكل المستمر.وفي هذا السياق تتأسس الدلالة داخل العمق النفسي للشخصيات، ويتحول السرد إلى آلية لفهم الاضطراب الداخلي أكثر من كونه نقلًا للأحداث.فالتجربة المرضية هنا تعمل محفزًا لانكشاف الذات، إذ تُجبر الشخصية على إعادة النظر في علاقتها بالألم، وبالموت، وبالآخر، وبالمستقبل، بما يجعل الرواية أقرب إلى دراسة أدبية في تشكل الوعي تحت الضغط الوجودي.وتتجلى أهمية هذا النص في كونه يعيد صياغة مفهوم الأمل على أنّه بنية نفسية معقدة تتشكل داخل لحظة الانهيار فيظهر كآلية داخلية لإعادة تنظيم الفوضى النفسية ومنع التفكك الكامل للذات، كما يتداخل البعد العلاجي مع البعد الرمزي ما يعمل على تحويل اللغة والسرد والعلاقات الإنسانية إلى وسائل لإعادة بناء المعنى داخل عالم يتعرض للاهتزاز المستمر.ومن هنا تكتسب المقاربة النفسية للنص أهميتها، إذ تسمح بكشف الطبقات العميقة للتجربة السردية، وفهم كيفية انتقال الشخصية من حالة الانكسار إلى حالة التكيف التدريجي عبر مسار يتداخل فيه القلق بالوعي، والألم بإعادة التفسير، والغياب بمحاولة استعادة الحضور.بهذا المعنى تقدم الرواية تأملًا في الإنسان الذي يُجبر على إعادة اختراع ذاته داخل أقسى تجارب الوجود.وترتكز رواية "أجنحة الأمل والنور" على بنية سردية يمكن قراءتها من منظور نفسي يشتغل على تفكيك العالم الداخلي لشخصية سلمى، وإعادة تشكيله في سياق تجربة مرضية حادة يتشكل فيها السرد ليتتبّع تحولات نفسية متراكبة تتداخل فيها الصدمة بالوعي، والانهيار بإعادة التوازن، والقلق بمحاولات التكيف.تبدأ التجربة النفسية في لحظة اكتشاف المرض، إذْ تتجلى الصدمة التي باتت اختراقًا مفاجئًا للبنية النفسية المستقرة سابقًا، فتعمل اللحظة انهيارًا داخليًا يطال الإحساس بالسيطرة واليقين.في هذا السياق يتفكك الشعور بالأمان الجسدي والنفسي، ويبدأ الوعي في الدخول إلى حالة من الاضطراب تتراوح بين الإنكار والذهول والارتباك.ويمكن فهم هذه المرحلة في ضوء التصور النفسي للصدمة كلحظة يتجاوز فيها الحدث قدرة الجهاز النفسي على الاستيعاب، ما يفتح المجال أمام إعادة تنظيم جذرية للذات.مع استمرار التجربة المرضية ينتقل السرد إلى مستوى أعمق من التحليل النفسي يتمثل في تشكل القلق الوجودي، فلا يعود الخوف مرتبطًا بالألم الجسدي بقدر ما يتسع ليشمل الخوف من الفقد وتغير الهوية وانكشاف محدودية الجسد.هنا يتبدل إدراك الزمن، ويصبح المستقبل مصدر تهديد بدل من أن يكون مجالًا للامتداد، بينما يتكثف الحاضر على شكل لحظة مثقلة بالوعي والهشاشة.هذا التحول يعكس إعادة تشكيل جذري للعلاقة بين الذات والزمن، ليصبح الزمن عنصرًا ضاغطًا يعيد إنتاج القلق باستمرار، كما يتبلور الأمل على شكل آلية دفاع نفسي معقدة أكثر من كونه حالة شعورية بسيطة.فهو يعمل على إعادة تنظيم الفوضى الداخلية عبر تحويل التجربة المؤلمة إلى إمكانية للاستمرار، وقدرة على التعايش مع الألم، وإعادة تأويله داخل بنية نفسية تبحث عن التوازن على شكل سموّ نفسي يسمح للذات بالبقاء في مواجهة التهديد دون انهيار كامل.وتتخذ شخصية سلمى مسارًا نفسيًا تدريجيًا يقوم على التذبذب بين الانكسار وإعادة البناء، فتمر عبر سلسلة من التحولات الانفعالية التي تتداخل فيها مشاعر الخوف والرفض والقبول والبحث عن معنى جديد للوجود.هذا التدرج يعكس طبيعة التكيف النفسي مع الصدمات المزمنة التي يتحقق فيها التوازن عبر مسار طويل من إعادة التقييم الداخلي، فتتفكك الهوية السابقة تدريجيًا وتتشكل هوية أكثر وعيًا بهشاشتها، وأكثر قدرة على التكيف مع الواقع الجديد.ويمثل المرض في الرواية عنصرًا كاشفًا للبنية النفسية العميقة للشخصية، فإحداث الألم يعيد تفكيك العلاقات الداخلية والخارجية للذات، ويتحول الجسد إلى موضوع للوعي بدل أنْ يكون امتدادًا طبيعيًا له، ما يخلق حالة من الاغتراب الجسدي، لتصبح الذات في موقع المراقبة المستمرة لجسدها، وهذا الانفصال بين الذات والجسد يعكس توترًا نفسيًا عميقًا يعيد تشكيل إدراك الشخصية لوجودها.تؤدي العلاقات الإنسانية دورًا حاسمًا في إعادة التوازن النفسي داخل النص من خلال شخصية يوسف الذي يظهر على شكل عنصر دعم نفسي يساهم في تخفيف حدة القلق الداخلي دون أنْ يتحول إلى قوة إنقاذ خارجية، وتقوم العلاقة بينه وبين سلمى على المرافقة الوجدانية لا على الحلول المباشرة، ما يعكس طبيعة الدعم الاجتماعي الذي أضحى عاملًا أساسيًا في التكيف النفسي مع المرض، وهذا النمط من العلاقة يعيد إنتاج مفهوم الشفاء كعملية تشاركية لا فردية.في المقابل تؤدي الشخصيات الثانوية دورًا رمزيًا في توسيع التجربة النفسية، فالطفلة ليلى تمثل نموذجًا للبراءة غير المشروطة بالوعي المرضي، ما يخلق تباينًا نفسيًا يبرز أثر التجربة المرضية في تشكيل الإدراك، أما شخصيات الدعم النفسي فتسهم في إبراز فكرة الشفاء الجماعي كمساحة يتقاطع فيها الألم الفردي مع التجربة الإنسانية المشتركة.ويتجلى المرض في الرواية ليكون أداة لإعادة ترتيب الوعي، فهو يكشف حدود القوة الإنسانية، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وجسده وزمنه، وهذا الكشف يؤدي إلى إعادة بناء بطيئة للذات يتحول من خلالها الألم إلى عنصر معرفي يساهم في إنتاج وعي جديد أكثر عمقًا بالهشاشة الإنسانية.كذلك تظهر الكتابة داخل النص على أنها آلية نفسية لتنظيم التجربة الداخلية، فهي تعمل لإعادة صياغة الألم وتحويله إلى معنى يمكن التحكم فيه.من هذا المنظور تصبح الكتابة شكلًا من أشكال العلاج الرمزي الذي يسمح بتخفيف التوتر النفسي وإعادة بناء السيطرة على الذات.أما الزمن الروائي فيتخذ شكلًا نفسيًا غير خطي، ويقاس بكثافة التجربة الانفعالية، فيتسع الزمن أو ينكمش تبعًا للحالة النفسية، ما يعكس طبيعة الزمن الذاتي في علم النفس بحيث يصبح الإدراك الزمني تابعًا للحالة الشعورية لا للتسلسل الموضوعي.في ضوء هذا التحليل يمكن النظر إلى الرواية بأنها تمثيل أدبي لعملية التكيف النفسي مع الصدمة المرضية، تتداخل فيها آليات الدفاع النفسي مع إعادة بناء الهوية لتعيد تشكيل علاقة الذات بالعالم.ومن خلال هذا التحول يتكشف أنّ الأمل والعلاقات الإنسانية والكتابة هي آليات نفسية عميقة تساهم في استمرار الذات، وإعادة إنتاج معناها داخل تجربة تهدد هذا المعنى باستمرار.وبعد هذا الامتداد الذي فرضته الذاكرة على القراءة غدت رواية أجنحة الأمل والنور نصًا يُقارب بعين الناقد من جهة، وهو مساحة تتقاطع فيها الكتابة مع التجربة الإنسانية في أكثر لحظاتها هشاشة وصدقًا من جهة أخرى.فقد تراجعت المسافة بين القارئ والنص، ووجدتُ نفسي داخل حالة من الاستدعاء الهادئ لوجوه لم تغب عن القلب رغم غيابها، فالرواية أعادت فتح أبوابٍ ظننتُ أنها أُغلقت منذ زمن.والعنوان كان بداية لارتباك داخلي خفيف يشبه رجفة الذاكرة التي تُستدعى فجأة، فبدت "أجنحة الأمل والنور" تحمل ما هو أبعد من الكلمات، لتشير إلى ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بحياته عندما تضيق به الطرق، ويصبح البقاء فعل مقاومة صامتة لا يُرى.ومع تقدم القراءة لم تعد الشخصية الروائية منفصلة عن الواقع، إذ بدأت ملامح سلمى تتداخل مع صورٍ أعرفها جيدًا، مع وجوه مرّت بتجربة الألم نفسها، ومع محطات فَقْد تركت أثرها في الداخل دون أنْ تخفت.عند تلك النقطة أصبح المرض حالة إنسانية عامة تتكرر بأشكال مختلفة، لكنها تترك الأثر ذاته في الروح، هو ذلك التوتر بين الخوف من الانطفاء والرغبة في الاستمرار.كان حضور الأمل في الرواية يتسلل بهدوء كحالة خفيفة تشبه الضوء الذي يمر على جدار متعب، لم يكن يرفع الألم، لكنه كان يغيّر طريقة النظر إليه، فالمعاناة نفسها يمكن أنْ تُرى من زاوية أخرى أكثر رحمة، وأقل قسوة.وفي تلك اللحظة تحديدًا بدأ المعنى يتشكل خارج النص، وداخل التجربة الشخصية للقارئ، لتختلط القراءة بالذاكرة دون فاصل واضح بينهما.ومع كل صفحة كان الزمن يبدو أكثر ليونة، وكانت الرواية تعيد ترتيب الإحساس بما حدث؛ لتتقاطع الأصوات بين الماضي والحاضر، وتظهر الوجوه التي غابت لتعود للحظة قصيرة، ولتذكّر بأنّ الحب لا ينتهي بالغياب، وأنّ الأثر الإنساني لا يُمحى حتى عندما يغادر أصحابه.وفي اللحظة التي وصلت فيها القراءة إلى نهايتها بقي ذلك الصمت العميق الذي يلي المواجهة مع شيء أكبر من الكلمات.لقد شعرت أنّ الرواية تركت نافذة صغيرة مفتوحة على الداخل، نافذة لا تسمح بالنسيان، لكنها تمنح قدرة خفيفة على الفهم، وعلى التعايش مع ما لا يُنسى.لقد أصبحت الكتابة عن هذا النص شكلًا من أشكال الاستجابة الإنسانية لتجربة تمس جوهر الوجود، فبعض النصوص لا تنتهي عند آخر صفحة، إنما تستمر في الداخل بهدوء، وتعيد تشكيل طريقة النظر إلى الحياة دون أنْ تُعلن ذلك.انتهت القراءة في مساء يوم السبت التاسع من أيار 2026- قرب نافذةٍ تُطِلّ على مدينةٍ صامتة تتنفس على مهل بين الضوء والظلال -أكتب توقيعي لألتقط لحظةً عابرة من الزمن قبل أنْ تنسحب بهدوء- أشعر بسكونٍ داخليّ دافئ يشبه الطمأنينة التي تأتي بعد طول تأمل؛ لتمنح القلب فرصة أنْ يسمع نفسه قبل أنْ يغادر.

"أجنحة الأمل والنور" للأردنية رزان الرابي: إعادة صياغة الألم.. ونافذة لا تسمح بالنسيان

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)