الإثنين 01 يونيو 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس
لم أرَها قط. كنت في عامي الأول حين رحلت، وكل ما بقي منها في حياتي هو البوم صور يجمعني بها وتلك الحكايات التي كان أبي يرويها بصوت تتغير نبرته حين يذكرها، وكأن ذكرها وحده يُعيد إليه شيئاً ضاع منذ زمن بعيد. أعمامي أيضاً كانوا يتحدثون عنها بطريقة من يصف شخصاً أكبر من أن تحتويه الكلمات. من هذه الحكايات المتناثرة، رسمت في ذهني صورة لامرأة لم تقرأ ولم تكتب، لكنها كانت تحمل إيماناً بالعلم يفوق كثيراً من المتعلمين. كانت أمية بكل ما تعنيه الكلمة، لكنها كانت تصر، بعناد غريب ومدهش، على أن يتعلم أبي. كانت توقظه في الفجر البارد، تجهز له كسرة خبز، وتدفعه نحو المدرسة التي تبعد أميالاً، وكأنها تدفعه نحو طوق نجاة وحيد في بحر هائج. هذا الإصرار كان فعل وعي استثنائي في زمن قاس لا يرحم الضعفاء.ما يستوقفني في هذه الصورة التي رسمتها من الحكايات هو أنني لم أحتج أن أراها لأتأثر بها. الجدة التي لم أعرفها تركت أثرها في حياتي عبر ما رواه عنها أبي وأعمامي، وهذا وحده يقول شيئاً عميقاً عن قوة الأثر الإنساني حين يكون حقيقياً. وحين أتأمل اليوم في حالنا، نحن الذين نغرق في بحر من الشاشات المضيئة والأجهزة الذكية والفرص المتاحة بضغطة زر، أجدني أقف أمام مفارقة موجعة جيلها، الذي لم يملك شيئاً، كان يملك إيماناً صلباً بالعلم، وجيلنا، الذي يملك كل شيء، يبدو أحياناً وكأنه فقد البوصلة، أو ربما فقد الرغبة ذاتها.جدتي التي لم أعرفها لم تكن شخصية في حكايات العائلة. كانت، بالنسبة لي، رمزا للإرادة التعليمية في أنقى صورها وأكثرها تجرداً. الأمية لم تمنعها من إدراك قيمة المعرفة. كانت تفهم، بغريزة الأمومة وذكاء الفطرة الصافية، أن التعليم هو طريق النجاة الوحيد، وهو الباب الذي يُفتح على الكرامة الإنسانية. في تلك الأيام الخوالي التي يصفها أبي، كانت المدرسة تعني القسوة، وقلة الموارد، والكتب المهترئة التي تتوارثها الأجيال طالباً بعد طالب، ومع ذلك، كان هناك توق حقيقي، جوع حقيقي للتعلم. كانوا يمشون حفاة أحياناً، تحت شمس حارقة أو مطر غزير، ليصلوا إلى المعرفة. أما اليوم، فالمعرفة هي التي تمشي إلينا، تطرق أبوابنا، وتتسلل إلى جيوبنا عبر هواتفنا الذكية، ومع ذلك، نجد أنفسنا نتثاءب أمامها بملل.لماذا ضعفت الرغبة اليوم؟ هل المشكلة في قلة الوسائل؟ قطعاً لا. المشكلة، ربما، تكمن في الراحة المفرطة. الراحة التي قد تُنتج، دون أن نشعر، خمولاً معرفياً يتسلل إلى عقولنا ببطء. التوافر الدائم للأجهزة، والملخصات الجاهزة التي تُعد في ثوانٍ، والنسخ السريعة بـ “نسخ ولصق”، يعطينا وهماً لذيذاً بأننا نمتلك المعرفة، بينما نحن في الحقيقة لا نمتلك سوى “الوصول” إليها. سهولة الوصول إلى المعلومة لا تعني بالضرورة عمقاً في الفهم. حين تحصل على الإجابة في ثانية واحدة عبر محرك بحث، فإنك تفقد متعة البحث، وتفقد ذلك الجهد العقلي الذي يحفر المعلومة في تلافيف الدماغ ويجعلها جزءاً من تكوينك.وهنا، أجد نفسي أعود إلى تفصيل صغير، تفصيل يبدو تقنياً لكنه في صميمه تربوي وإنساني عميق الكتابة باليد. في عصرنا هذا، أصبحت الكتابة باليد تبدو وكأنها عادة قديمة، طقس من طقوس الماضي الذي نتخلى عنه تدريجياً لصالح لوحات المفاتيح السريعة والشاشات اللمسية. لكن العلم الحديث، ويا للمفارقة العجيبة، يعود ليؤكد ما كانت تعرفه الأجيال السابقة بالفطرة. الدراسات العصبية الحديثة، مثل تلك التي أجراها باحثون في جامعة برينستون وجامعة كاليفورنيا، تشير بوضوح إلى أن الكتابة باليد ليست فقط حركة عضلية ميكانيكية بسيطة. إنها تنشط مناطق أوسع بكثير في الدماغ مقارنة بالطباعة. حين تمسك القلم، وتجبر يدك على تشكيل الحروف بانحناءاتها وزواياها، فإنك تبطئ إيقاع عقلك قليلاً، وتجبره على معالجة المعلومات، وفهمها، وإعادة صياغتها قبل تدوينها. هذا الجهد، هذا التباطؤ المتعمد، هو الذي يثبت المعلومة ويخلق الفهم العميق. الجهد هنا ليس عائقاً للتعلم، بل هو جزء أصيل من بنائه وهندسته.ما الذي يعنيه هذا تربوياً؟ يعنيه الكثير جداً. إنه يضعنا أمام أسئلة قاسية لا مفر من مواجهتها هل نحن نربي الطالب اليوم على الفهم العميق أم على النسخ السريع؟ هل نجعل التعلم تجربة ذهنية وجسدية متكاملة، أم نحوله إلى مجرد ضغط أزرار باردة لا روح فيها؟ العودة إلى الورقة والقلم، خاصة في المراحل التعليمية الأولى، ليست ارتداداً إلى الماضي أو رفضاً للتقدم، بل هي حماية لمستقبل العقل البشري. إنها محاولة جادة لإنقاذ التعلم من سطحية السرعة التي تبتلع كل شيء جميل.الرسالة الأوسع التي يجب أن نلتقطها اليوم هي أننا لا نحتاج إلى المزيد من الوسائل التقنية ، بل نحتاج، وبشكل ملح، إلى إحياء قيمة “الجهد”. الماضي لم يكن مثالياً، كانت فيه قسوة وحرمان وألم، لكنه كان حاملاً لدرس مهم نسيناه في زحمة التكنولوجيا الإنسان يتعلم حقاً حين يتعب قليلاً من أجل المعرفة. الطريق الأبطأ، الطريق الذي يتطلب ورقة وقلماً وتركيزاً وانتباهاً، قد يكون هو الأرسخ أثراً والأبقى في الذاكرة على المدى الطويل.كانت الأمية عند جدتي شكلاً من أشكال الحرمان القسري، لكن الوعي لم يكن غائباً عنها لحظة واحدة، هكذا كان يقول أبي حين يذكرها. أما اليوم، فقد يكون الامتلاك المادي كاملاً، الشاشات تضيء في كل زاوية من زوايا بيوتنا ومدارسنا، لكن الوعي هو الذي يضعف ويتلاشى وسط هذا الزحام. هل نحن نمتلك الأدوات الكثيرة أم نملك الإصرار الذي يجعلها مفيدة حقاً؟ جدتي التي لم أعرفها، ولم تكتب ولم تقرأ كتاباً في حياتها، تركت في من جاء بعدها درساً لم يُكتب في أي مقرر: العلم لا يُهدى في علبة أنيقة، بل يُطلب بالجهد، ويُحفر في العقل بالتعب.
جدتي كانت تعرف ما ننساه اليوم
د. أحمد رفيق عوض مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)