الإثنين 01 يونيو 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس
ثمة رجال يرحلون فتبتلعهم السنوات، وثمة رجال يعبرون إلى الغياب لكنهم يبقون عصيين على الرحيل.يبقون في الذاكرة، وفي اللغة، وفي الأمكنة التي أحبوها حتى صاروا جزءًا منها.وكان فيصل الحسيني واحدًا من هؤلاء.في ذكرى رحيله، لا نستعيد رجلًا بقدر ما نستعيد معنى. ولا نتذكر سيرة شخصية بقدر ما نستحضر مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني، كان فيها الانتماء التزامًا أخلاقيًا، وكانت القدس بوصلة لا تحيد، وكانت الوطنية فعلًا يوميًا من الصبر والكرامة لا مادة للاستهلاك السياسي.وحين يُذكر اسم فيصل الحسيني، تحضر القدس تلقائيًا. لا بوصفها مدينة فحسب، بل بوصفها قدرًا.فقد كانت العلاقة بين الرجل والمدينة أعمق من علاقة سياسي بقضية، أو قائد بعاصمة وطنه المحتلة. كانت علاقة نادرة بين روحين تشبه إحداهما الأخرى؛ كلتاهما مثقلة بالجراح، وكلتاهما عصية على الانكسار.بعض المدن تُنجب أبناءها. أما القدس، فكانت كلما ضاقت بها المحن تنجب رجالًا يشبهون حجارتها؛ صامتين في الظاهر، راسخين في العمق، وعنيدين في مواجهة الزمن.وكان فيصل الحسيني واحدًا من أكثر أبنائها شبهًا بها. لم يكن أمير القدس لأن أحدًا منحه لقبًا. فالقدس لا توزع ألقابها، ولا تمنح مكانتها إلا لمن يدفع ثمن الانتماء كاملًا. وقد دفع الرجل عمره كله في هذا الطريق. لم يحمل القدس كشعار، بل كمسؤولية. ولم يتحدث عنها كقضية عامة، بل كجزء من كيانه الشخصي.ولهذا بقي اسمه ملتصقًا بها حتى بدا، في الوعي الفلسطيني، وكأن أحدهما لا يُذكر إلا ويستدعي الآخر. كان يدرك أن الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها. فالأرض قد تُصادر، والبيوت قد تُهدم، والأسوار قد تُحاصر. أما الخطر الأكبر فيكمن في استهداف الذاكرة؛ في محاولة اقتلاع شعب من روايته، ومدينة من حقيقتها، وتاريخ من جذوره.لهذا، كانت معركته دفاعًا عن المعنى قبل أن تكون دفاعًا عن المكان. دفاعًا عن حق الفلسطيني في أن يروي حكايته بنفسه، وعن حق القدس في أن تبقى حاضرة في الوعي كما هي حاضرة في التاريخ.لم يكن الأعلى صوتًا في زمن الضجيج، لكنه كان من أولئك الذين يمنحون الكلمات وزنها، والمواقف قيمتها، والحضور معناه، وكان يدرك أن الأوطان لا تحتاج دائمًا إلى من يتحدث باسمها، بقدر ما تحتاج إلى من يحملها بأمانة، لذلك بدا مختلفًا. لا لأن زمنه خلا من الرجال، بل لأنه كان من ذلك الطراز النادر الذي يزداد وضوحًا كلما ابتعدت به المسافة عن زمنه. فالأيام لا تصنع قيمة الكبار.إنها تكشفها فقط.ولهذا تتراجع أسماء كثيرة كانت تملأ المشهد صخبًا، بينما تبقى أسماء أخرى تنمو بهدوء داخل الذاكرة الوطنية حتى تتحول إلى جزء من وجدان شعب كامل.وكان فيصل الحسيني من هؤلاء. بعض الرجال يتركون خلفهم مناصب وسيرًا ذاتية وصورًا مؤطرة على الجدران. أما الرجال الكبار حقًا، فيتركون أثرًا. والأثر هو الشكل الأرقى للخلود. لهذا لا يبدو الحديث عن فيصل الحسيني اليوم حديثًا عن الماضي.فثمة أشخاص يتحولون، بعد رحيلهم، إلى قيمة أخلاقية ومعيار وطني يُقاس به ما بعده.وحين نفتقدهم، لا نفتقد حضورهم الشخصي فقط، بل نفتقد تلك الطمأنينة التي كانت تمنحها معرفتنا بأن بينهم وبين القدس عهدًا لا ينكسر.سلام على روحك يا أمير القدس.سلام على قلبٍ ظلّ وفيًا لها حتى آخر نبضة.وسلام على اسمٍ لم تحفظه الوثائق الرسمية بقدر ما حفظته محبة الناس.تمر الأعوام، وتتبدل الوجوه والخطابات والرايات، لكن أسماء قليلة فقط تنجو من قسوة الزمن.أسماء لا تعيش في الأرشيف، بل في الضمير.وكان فيصل الحسيني واحدًا منها.لم يكن أمير القدس لأنه عاش فيها.بل لأنه عاش لها.وحين رحل، لم تأخذه القدس إلى ذاكرتها فحسب، بل إلى روحها. وهناك، في ذلك المقام الذي لا تصل إليه قوة احتلالولا تطوله خرائط الطامعين، ما زال يقيم.
فيصل الحسيني أمير القدس الذي لم يغادرها
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)