أمد/ لم يكن رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف حدثاً عسكرياً عادياً، ولم تكن فرحة جنود الاحتلال وهم يوثقون المشهد سوى اعتراف متأخر بحقيقة يعرفونها جيداً: بعض الأماكن تتحول إلى عقدة في الوعي العسكري، وبعض الهزائم تبقى حية في الذاكرة مهما طال الزمن.
قبل أربعة وأربعين عاماً، اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان بآلاف الجنود والدبابات والطائرات، معتقداً أن الطريق إلى بيروت ستكون نزهة عسكرية سريعة. لكن عند قلعة الشقيف اصطدم بشيء لم يكن في حساباته. هناك، في تلك القلعة المعلقة بين السماء والأرض، وقف عشرات الفدائيين الفلسطينيين ليكتبوا واحدة من أكثر صفحات الصمود إيلاماً للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
لم تكن المعركة متكافئة. كان الفارق في العدد والسلاح والتكنولوجيا هائلاً. ومع ذلك، دفع الجيش الإسرائيلي ثمناً لم يتوقعه. سقط له قتلى وجرحى، وتعطلت خططه، واضطر إلى خوض معركة تحولت لاحقاً إلى مادة للدراسة العسكرية داخل إسرائيل نفسها. يومها لم يتحدث الإسرائيليون عن نصر مجيد، بل عن انتصار مكلف، وعن موقع صغير أجبر جيشاً كاملاً على دفع ثمن لم يكن مستعداً له.
ومنذ ذلك الوقت، لم تغادر الشقيف الذاكرة الإسرائيلية.
ولهذا، عندما عاد الجيش الإسرائيلي بعد أربعة وأربعين عاماً ليعلن السيطرة على القلعة ويرفع علمه فوق أسوارها، لم يكن يحتفل بما أنجزه اليوم بقدر ما كان يحاول الثأر مما عجز عن محوه منذ عام 1982.
فالدول لا تحتفل بالسيطرة على الحجارة. الجيوش لا تصنع مشاهد دعائية فوق مواقع عادية. وحدها العقد التاريخية هي التي تدفع المحتل إلى تحويل صورة علم مرفوع فوق قلعة إلى إعلان سياسي ونفسي موجه لجمهوره أولاً.
💬 التعليقات (0)