غيب الموت الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، تاركاً خلفه سيرة سياسية تضج بالتناقضات والأسئلة المفتوحة التي لم تجد إجابات شافية حتى اللحظة. رحل الرجل في وقت لا يزال فيه الشعب اليمني منقسماً في تقييم مرحلته؛ فبينما يراه البعض رمزاً للشرعية التي حاولت الصمود، يصفه آخرون بأنه المسؤول عن تآكل الدولة وفتح الأبواب أمام رياح الفرقة والشتات.
عاش اليمنيون سنوات طويلة يرقبون قرارات هادي في ظل عواصف سياسية وعسكرية غير مسبوقة، حيث اختلطت في شخصيته ملامح القائد الذي أراد الحفاظ على كيان الدولة، وصورة المسؤول الذي عجز عن كبح جماح القوى المتصارعة. لقد بقيت صورته في الذاكرة الجمعية غير مستقرة، تتأرجح بين الحكمة المفترضة والضعف الذي يراه خصومه سبباً في وصول البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
إن المأساة التي عصفت باليمن خلال العقد الماضي كانت تفوق قدرة أي فرد على الاحتمال، حيث تكالبت المحن من كل حدب وصوب، بدءاً من الانقلاب على المؤسسات الدستورية وصولاً إلى تغول السلاح على العمل السياسي. وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة، وقف هادي في مركز العاصفة، لا بطلاً أجمع الناس على قيادته، ولا خائناً اتفقت الأطراف على إدانته، بل شخصية التبست فيها الأحكام.
الحيرة التي خلفها رحيل هادي ليست مرتبطة بشخصه فحسب، بل هي انعكاس لحيرة مرحلة كاملة من تاريخ اليمن المعاصر، حيث تداخلت فيها الضرورات بالخيبات. فكم من قرار اتخذه هادي لا يزال محل جدل حول ما إذا كان ضرورة فرضتها الظروف القاهرة، أم أنه كان خطأً استراتيجياً ناتجاً عن حسابات سياسية غير دقيقة أدت إلى تفاقم الأزمة.
يودع اليمن رجاله واحداً تلو الآخر، لكن الخلافات حول أدوارهم لا تنتهي بمواراتهم الثرى، بل تظل مشتعلة في النقاشات العامة والمجالس السياسية. هادي الذي انتهى عمله وانقطع سعيه بوفاته، لا يزال يمثل مادة دسمة للجدل بين من يرفع له أكف الدعاء تقديراً لثباته، ومن يرفع عليه لواء العتب واللوم لما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد.
يبقى التاريخ هو القاضي الوحيد الذي لا يستعجل أحكامه، بعيداً عن عواطف اللحظة الراهنة وجراحها النازفة التي تحكم رؤية البشر المعاصرين للأحداث. وسوف تظل سيرة عبد ربه منصور هادي موضع تساؤل عميق في الضمير اليمني لسنوات طويلة: هل كان يحاول حقاً إنقاذ سفينة الوطن فغلبته الأمواج العاتية، أم أنه كان أحد الأسباب التي أدت إلى غرقها في بحر النزاعات؟
💬 التعليقات (0)