أمد/ لم تعد صحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد شأن شخصي يتعلق برجل متقدم في العمر يجلس في المكتب البيضاوي بل تحولت إلى قضية سياسية وأمنية وأخلاقية تمس صورة الدولة الأمريكية نفسها ومدى احترامها لمبدأ الشفافية أمام الرأي العام الداخلي والعالمي فمع اقتراب ترامب من بلوغ عامه الثمانين تتزايد الأسئلة حول قدرته الجسدية والذهنية على إدارة أعقد منظومة سياسية وعسكرية في العالم بينما تتراجع قدرة البيت الأبيض على إقناع الأمريكيين بأن كل شيء يسير بصورة طبيعية وأن الرئيس يتمتع بما يصفونه دوماً بالصحة الممتازة والطاقة الاستثنائية
المشكلة الحقيقية في هذه المسألة لا تكمن فقط في عمر ترامب المتقدم ولا في ظهور مؤشرات صحية متكررة على جسده بل في حالة الغموض والتكتم والتناقض التي ترافق كل بيان رسمي يصدر بشأنه وهي مؤشرات صحية واضحة لم يعد بالإمكان تجاهلها أو تفسيرها بسهولة عبر بيانات إنشائية منمقة وفضفاضة تصدر عن أطباء موجهين داخل البيت الأبيض
الكدمات المتكررة على يدي ترامب والتورم الظاهر في ساقيه والتقارير المتعلقة بمعاناته من قصور وريدي مزمن تحولت إلى مادة يومية للنقاش السياسي والإعلامي داخل الولايات المتحدة ورغم محاولة ادارة البيت الابيض التقليل من أهمية هذه المؤشرات عبر ربطها باستخدام عقار الأسبرين أو بعوامل الشيخوخة الطبيعية فإن حجم التعتيم الذي رافق هذه التطورات هو ما أثار الريبة أكثر من الأعراض نفسها وحين يخضع رئيس الولايات المتحدة لأشعة مقطعية على القلب والأوعية الدموية دون إعلان رسميا ذلك إلا بعد أشهر يصبح السؤال مشروعاً حول ما الذي يخفيه البيت الأبيض فعلاً وما الذي يُراد حجبه عن الأمريكيين والعالم
البيت الأبيض يدرك جيداً أن صورة الرئيس القوي والحاسم ليست مجرد تفصيل بروتوكولي بل عنصر أساسي في معادلة الردع الأمريكية وفي توازنات السياسة الدولية ولهذا تبدو الإدارة الأمريكية شديدة الحساسية تجاه أي حديث عن تراجع صحي قد يصيب ترامب غير أن هذا الحرص على صناعة صورة القوة قد يتحول تدريجياً ايضا إلى سلاح معاكس عندما يصبح التكتم نفسه دليلاً على وجود ما يستحق الإخفاء والتاريخ السياسي الأمريكي مليء بحالات أخفت فيها الإدارات المتعاقبة حقائق صحية خطيرة عن الرؤساء خوفاً من الارتباك السياسي أو التأثير الانتخابي أو اهتزاز صورة الدولة في الداخل والخارج
ما يزيد خطورة المشهد الحالي أن الشكوك لم تعد محصورة بخصوم ترامب السياسيين أو بوسائل الإعلام المعارضة له بل امتدت حتى إلى قطاعات من مؤيديه من الذين بدأوا يطرحون الأسئلة نفسها التي كانوا يرفضونها سابقاً سيما بعد اختفاء ترامب أحياناً عن الإعلام لأيام متتالية وظهوره بحركات بطيئة أو مشية متأرجحة أو ملامح مرهقة حيث فتح الباب واسعاً أمام الشائعات والتكهنات وفي عصر الإعلام الرقمي لم تعد البيانات الرسمية قادرة وحدها على إغلاق باب الجدل خصوصاً عندما تتعارض الرواية الرسمية مع ما تلتقطه الكاميرات وتتناقله منصات التواصل بصورة لحظية حية
الأخطر من كل ذلك أن أزمة الثقة الحالية ليست منفصلة عن الإرث الطويل من التضليل الذي أحاط بملف ترامب الصحي منذ سنوات مع بداية حملته الانتخابية الأولى حيث ظهرت تقارير طبية وُصفت لاحقاً بأنها صيغت بطريقة دعائية أكثر من كونها تقارير مهنية بل إن بعض الأطباء المرتبطين بترامب اعترفوا لاحقاً بأن الرئيس نفسه أملى عليهم أجزاء من بياناته الصحية وهذا الأمر ألحق ضرراً بالغاً بمصداقية أي تطمينات لاحقة تصدر عن الفريق الطبي المحيط به وعندما تتكرر المبالغات الدعائية حول رواية الاسطورية للصحة المثالية والجينات الخارقة يصبح من الطبيعي أن يتعامل الرأي العام مع أي بيان رسمي بوصفه جزءاً من حملة علاقات عامة لا تقريراً طبياً مستقلا او محايدا
💬 التعليقات (0)