أمد/ المناضل المفكر الوزير عبدالعزيز شاهين (ابو علي شاهين)
لم يكن بعض الرجال في التجربة الفلسطينية مجرّد عابرين في دهاليز السلطة أو موظفين في سجلات الدولة بل كانوا مدارس فكرية متحركة تحمل الوطن بوصفه مشروعا أخلاقياً قبل أن يكون جغرافيا ورسالة تاريخية قبل أن يكون حدوداً و أسلاكا ومن بين تلك الشخصيات التي صاغت حضورها في الوعي الوطني بصمت العارفين وصلابة المؤمنين برز ذلك القائد والمفكر والمناضل الذي جمع بين الثورة والإدارة وبين الفكر والميدان وبين الاقتصاد بوصفه علما والتحرر بوصفه قدراً لا يقبل التأجيل.
لقد كان رجلا لا يقيس الأوطان بعدد الوزارات التي يتولاها الإنسان بل بقدرته على أن يجعل من المنصب أداة لحماية الكرامة الوطنية ومن القرار الاقتصادي درعاً للصمود الشعبي ومن العمل العام حالة اشتباك يومي مع الاحتلال والتبعية والانكسار وحين تولّى مسؤولياته في وزارة التموين و وزارة الاقتصاد لم يدخل تلك المواقع بعقلية البيروقراطي البارد بل دخلها بعقلية الفدائي الذي يعرف أن رغيف الخبز في الوطن المحتل ليس تفصيلاً معيشيا وإنما جزء من معركة البقاء وأن الاقتصاد الفلسطيني ليس ملفا ماليا فحسب بل ساحة مواجهة مفتوحة مع مشروع يريد إخضاع الإنسان الفلسطيني وتجريده من قدرته على الصمود والاستمرار.
لقد أدرك مبكراً أن الثورة لا تُبنى بالبندقية وحدها مهما كانت ضرورتها وقداستها وإنما تحتاج إلى وعي جمعي يصوغ الإنسان الفلسطيني الجديد الإنسان القادر على الجمع بين الفكرة والفعل، وبين الانتماء والعمل وبين الوطنية والمعرفة ومن هنا جاءت مساهمته التاريخية في تأسيس الشبيبة الفتحاوية ذلك المشروع الذي لم يكن تنظيماً طلابياً عابراً بل كان مختبرا وطنيا لإنتاج جيل فلسطيني مؤمن بحركة التحرر ممتلئا بروح الانتماء وقادرا على حمل الراية في أصعب الظروف.
لقد فهم أن الجامعات ليست مباني أكاديمية معزولة عن القضية وإنما ساحات اشتباك فكري ووطني وأن الطالب الفلسطيني يجب أن يتحول إلى حاملٍ للوعي الثوري لا مجرد متلقٍ للمعرفة النظرية لذلك جاءت الشبيبة الفتحاوية في رؤيته كامتداد طبيعي لفكرة الثورة المستمرة لا باعتبارها فعلا عسكريا فقط بل باعتبارها مشروعاً حضاريا يواجه محاولات طمس الهوية وتفتيت الوعي وإنتاج الهزيمة النفسية داخل المجتمع الفلسطيني.
ولم يكن تاسيس هذا الإطار عملاً تنظيميا محدودا بل كان فعلاً تاريخياً ساهم في إعادة تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني داخل الجامعات والمخيمات والشارع العام حتى أصبحت الشبيبة مدرسة خرّجت أجيالا من المناضلين والمثقفين والقادة الذين حملوا الفكرة الوطنية في أكثر اللحظات قسوة وتعقيدا.
💬 التعليقات (0)