ترجل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران عن صهوة الحياة يوم الجمعة، مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً وإنسانياً يمتد لأكثر من قرن. وبوفاته عن عمر ناهز 104 أعوام، تطوى صفحة مفكر استثنائي كرس حياته لمواجهة التبسيط الفكري والاختزال السياسي في معالجة القضايا الكبرى.
لم يكن موران مجرد واضع لأسس 'الفكر المركب' في الفلسفة الحديثة، بل كان صوتاً أخلاقياً شجاعاً رفض الانصياع لآلات الترهيب الفكري. وقد تجلت شجاعته في موقفه الصلب تجاه القضية الفلسطينية، حيث اعتبرها المحك الحقيقي لاختبار مصداقية القيم الإنسانية والعدالة الدولية.
خاض الراحل معركة فكرية وقانونية شرسة لتفكيك الربط التعسفي الذي تروج له الدعاية الإسرائيلية بين نقد سياسات الاحتلال وتهمة معاداة السامية. ورأى موران أن هذا الخلط المتعمد يهدف إلى تعمية الأبصار عن الحقائق الميدانية في الأراضي المحتلة وإخراس الأصوات الناقدة.
بمنهجه النقدي الرصين، عمل موران على إبطال التماهي الزائف الذي صنعته الحركة الصهيونية بين اليهودية كإرث تاريخي وديني، والصهيونية كمشروع سياسي. وأكد في أطروحاته أن المشروع الصهيوني قام على أسس الإقصاء والإجلاء القسري للشعب الفلسطيني من أرضه.
انطلق موران في مواقفه من خلفية معرفية بمآسي الحروب، وهو المنحدر من أصول يهودية، مما منحه بصيرة نافذة في كشف مخاطر احتكار المظلومية. وحذر من توظيف المعاناة التاريخية لليهود لتبرير سلب حقوق الفلسطينيين وإقامة نظام احتلال عسكري طويل الأمد.
سعى المفكر الفرنسي إلى تحرير العقل الغربي من 'عقدة الذنب' التي تُستغل سياسياً لتمرير جرائم الاحتلال دون محاسبة. واعتبر أن الحيف الذي وقع تاريخياً على طائفة لا يمنحها الحق في إيقاع ظلم أشد على شعب آخر يسعى للتحرر والاستقلال.
التعليقات (0)