ثمة لحظات في الدراما التلفزيونية تظل عالقة في ذاكرة المشاهد لسنوات، لقطة واحدة تُشعل فتيل حرب لا تُعلَن، لتتحول إلى مقدمة لسقوط مدوٍّ. هكذا قدم الموسم الأول من مسلسل "بيف" (Beef) أو "ضغينة" أبطاله عام 2023، لكنهم لم يكونوا أبطالا شريرين ولا أخيارا ساذجين، بل بشرا عاديين تجمّع فيهم إحباط ينتظر شرارة واحدة لكي يشتعل.
والشرارة في هذا العالم يمكن أن تكون أقل من بوق سيارة، لنشاهد كيف للإنسان أن ينفجر بلا مقدمات. ومع ذلك، لم يكن المسلسل يتحدث عن مشاجرة طريق بقدر ما كان يفتش داخل الوحدة، والضغط النفسي، والشعور الخفي بالاختناق داخل الحياة الحديثة.
أما الموسم الثاني، الذي عُرض حديثا عبر منصة نتفليكس، فيُغيّر ملعبه بالكامل، إذ يترك شوارع المدينة المزدحمة متجها صوب النوادي المغلقة، حيث تبدو الابتسامات مهذبة والكراهية مكتومة، ليصبح الغضب أكثر برودا، لكنه لا يقل تدميرا.
المسلسل المكون من 8 حلقات والموجه للبالغين، من تأليف لي سونغ جين الأمريكي من أصول كورية، ما عزز الطابع الآسيوي-الأمريكي داخل القصة. وقد عاد المؤلف لقيادة الموسم الثاني، محافظا على روحه الساخرة، مع محاولة تحويل العمل إلى أنطولوجيا تتبدل شخصياتها بينما تبقى الفكرة الأساسية واحدة: كيف يمكن لخطأ صغير أن يقود الجميع إلى الهاوية.
إذا كنت لم تشاهد الموسم الأول، فلا تقلق، الموسمان لا يرتبطان على مستوى الحبكة. الرابط الحقيقي بين الجزأين هو فكرة كيف يصنع البشر مصائرهم بأيديهم، من خلال كرة الثلج؛ لحظة صغيرة تبدو عابرة ثم تتصاعد تدريجيا حتى تخرج عن السيطرة.
وإذا كان الموسم الأول قد تناول الغضب بوصفه مباشرا وفوضويا، فإن الثاني يقدمه بصورة أكثر خبثا. الشخصيات هنا لا تصرخ كثيرا، لكنها تناور وتبتز وتخفي نواياها خلف المجاملات الاجتماعية، وكأن المسلسل يقول إن الطبقات الثرية لا تكون أقل غضبا، بل فقط أكثر قدرة على إخفائه حتى اللحظة المناسبة.
💬 التعليقات (0)