أمد/ أفرزت انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري لحركة فتح نتائج جديدة استحوذت على اهتمام أبناء الحركة والمهتمين بالشأن الفلسطيني عموماً، ليس فقط من زاوية الفائزين والخاسرين، بل من زاوية الدلالات السياسية والتنظيمية التي تحملها هذه النتائج، وما تعكسه من توجهات ومزاج عام داخل الجسم الحركي الفتحاوي في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ القضية الفلسطينية. وعند استقراء قوائم المرشحين التي ضمت أكثر من خمسمائة وخمسين مرشحاً للمجلس الثوري واللجنة المركزية، ثم مقارنة تلك القوائم بالنتائج النهائية، تبرز جملة من الملاحظات المهمة التي تستحق الدراسة والتوقف أمامها بموضوعية ومسؤولية وطنية وتنظيمية. ولعل أبرز هذه الملاحظات عدم فوز عدد من الشخصيات الوطنية المعروفة بثقلها السياسي والنضالي، وحضورها العربي والدولي، وخبرتها الطويلة في مجالات العمل السياسي والدبلوماسي والفكري والثقافي والتنظيمي، في الوقت الذي نجح فيه عدد من الكوادر المحلية التي لا تزال تجربتها السياسية والتنظيمية محدودة مقارنة ببعض القامات الوطنية التي لم يحالفها الفوز. ولا ينبغي فهم هذه الملاحظة باعتبارها انتقاصاً من حق الفائزين أو تشكيكاً في شرعية النتائج، فالانتخابات تعبير عن إرادة الهيئة الناخبة، ونتائجها تستحق الاحترام. غير أن احترام النتائج لا يتعارض مع حق الحركة في مراجعة دلالاتها واستخلاص العبر منها، باعتبار أن النقد الموضوعي والمراجعة الدائمة هما أحد أهم عوامل التطور والتجدد. إن هذه النتائج تطرح سؤالاً مهماً حول طبيعة المعايير التي تحكم الاختيار داخل المؤسسات التنظيمية، وحول العلاقة بين القيمة النضالية والفكرية والسياسية للشخصية الوطنية وبين قدرتها على حصد الأصوات الانتخابية. فالانتخابات في كثير من الأحيان تعكس حجم الحضور التنظيمي المباشر والعلاقات الشخصية وشبكات التأثير الداخلية، أكثر مما تعكس بالضرورة حجم الخبرة الوطنية أو المكانة السياسية أو الفكرية. كما تشير النتائج إلى احتمال تنامي البعد المحلي والتنظيمي على حساب البعد الوطني الأشمل، وهو أمر يستحق التأمل، خاصة أن حركة فتح ليست حزباً محلياً محدود المهام، وإنما حركة تحرر وطني قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة، وما زالت تتحمل مسؤوليات كبيرة في مواجهة التحديات الوجودية التي تستهدف الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. إن المرحلة الراهنة تتطلب قيادات تمتلك القدرة على العمل في أكثر من ساحة في آن واحد؛ الساحة التنظيمية، والساحة السياسية، والساحة الفكرية والثقافية، والساحة العربية والدولية. فالمعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني لم تعد مقتصرة على الميدان العسكري أو السياسي التقليدي، بل أصبحت معركة رواية ووعي وقانون ودبلوماسية وإعلام وعلاقات دولية. ومن هنا فإن خسارة بعض أصحاب الخبرة والكفاءة في الانتخابات لا ينبغي أن تعني إقصاءهم أو تهميش دورهم، بل يجب أن تدفع نحو البحث عن صيغ وآليات مؤسسية تضمن الاستفادة من خبراتهم المتراكمة، سواء من خلال اللجان الاستشارية المتخصصة أو مراكز الدراسات أو الهيئات الفكرية والسياسية المساندة لعملية صنع القرار. لقد أثبتت التجارب الوطنية الناجحة أن قوة الحركات الكبرى لا تكمن فقط في مؤسساتها المنتخبة، بل في قدرتها على استثمار كامل رصيدها البشري والنضالي والفكري. فالحركة التي تهمل خبراتها التاريخية تفقد جزءاً من ذاكرتها، والحركة التي لا تفسح المجال للكفاءات الجديدة تفقد قدرتها على التجدد، أما الحركة الناجحة فهي التي تحقق التوازن بين الخبرة والتجديد، وبين الشرعية الانتخابية والكفاءة الوطنية. وعلى ضوء هذه القراءة، يمكن طرح عدد من التوصيات والتوجهات المستقبلية: أولاً: تعزيز ثقافة الكفاءة والخبرة إلى جانب الاعتبارات التنظيمية في اختيار القيادات. ثانياً: الاستفادة من جميع الطاقات والكفاءات الوطنية بغض النظر عن نتائج الانتخابات. ثالثاً: إنشاء أطر استشارية وفكرية وسياسية تضم الشخصيات ذات الخبرة والتجربة النوعية. رابعاً: تعزيز حضور النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية والدبلوماسية في عملية صنع القرار الوطني. خامساً: تطوير آليات التقييم والمراجعة الداخلية بما يضمن استمرار عملية التجديد والتطوير المؤسسي. سادساً: الحفاظ على وحدة الحركة باعتبارها أولوية وطنية وتنظيمية تتجاوز الاعتبارات الشخصية والفئوية. إن التحديات المصيرية التي تواجه الشعب الفلسطيني اليوم، وفي مقدمتها العدوان المستمر على غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، واستهداف القدس ومقدساتها، تفرض على حركة فتح أن تبقى حركة جامعة لكل الطاقات والخبرات والكفاءات الوطنية، وأن تستثمر نتائج مؤتمرها وانتخاباتها في تعزيز وحدتها الداخلية وتجديد مشروعها الوطني وقدرتها على قيادة المرحلة المقبلة. خاتمة إن نتائج الانتخابات، أياً كانت، ينبغي أن تكون مدخلاً لتعزيز الوحدة الداخلية لا سبباً للانقسام، ومنطلقاً للمراجعة والتطوير لا مناسبة للتنافس السلبي أو الإقصاء. فحركة فتح، بتاريخها العريق وتجربتها النضالية الطويلة، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تجمع بين شرعية المؤسسات المنتخبة وحكمة التجربة التاريخية وطاقات الأجيال الجديدة. إن التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني أكبر من أي موقع تنظيمي وأوسع من أي استحقاق انتخابي، الأمر الذي يستدعي توحيد الجهود والاستفادة من جميع الكفاءات والخبرات دون استثناء. فنجاح القيادة الجديدة لن يقاس بعدد الأصوات التي حصلت عليها، بل بقدرتها على تجديد الحركة، واستنهاض طاقات أبنائها، وتعزيز مكانتها الوطنية، والإسهام في حماية القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. تلك هي المهمة الكبرى، وذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحكم عليه التاريخ، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة في أي انتخابات، وقريباً من معيار واحد فقط: خدمة فلسطين وقضيتها العادلة وشعبها الصامد المناضل. إن نجاح أي مؤتمر أو عملية انتخابية لا يُقاس بمن فاز ومن لم يفز، وإنما بمدى قدرة الحركة على توظيف نتائجها في تعزيز وحدتها الداخلية، وتجديد مؤسساتها، واستنهاض طاقات أبنائها جميعاً، وتحويل التنوع في الخبرات والكفاءات إلى مصدر قوة وإبداع وعطاء. وعندما تنجح الحركة في الجمع بين الشرعية الديمقراطية والكفاءة الوطنية، وبين التجربة التاريخية وروح التجديد، فإنها تكون أكثر قدرة على حمل أمانة المشروع الوطني الفلسطيني ومواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً للأجيال القادمة.
كولومبيا تنتخب خلفا لغوستافو بيترو في واحدة من أسوأ موجات العنف
مصادر أميركية تكشف تعديلات ترامب "النووية" على اتفاق وقف حرب إيران
اليوم 94..حرب إيران: المال المجمد عقبة وترامب يبحث "تعديلات نووية" وجبهة لبنان تشتعل
بزشكيان يحذر: لا يجب أن تنحصر إدارة الدولة في دائرة محدودة من صانعي القرار
الصحة: 929 شهيدا في قطاع غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار أكتوبر 2025
💬 التعليقات (0)