في خضم السردية الإسرائيلية التي تسعى إلى تكريس صورة “الإنجاز العسكري الكبير” في المواجهات الأخيرة، تكشف قراءة متقاطعة لمقالات صادرة عن نخب فكرية وأمنية إسرائيلية عن واقع أكثر تعقيداً، بل ومتناقضاً في كثير من جوانبه. فبينما يعلو الخطاب الرسمي بسرديات النصر والانجازات، تتسلل من داخل المؤسسة ذاتها اعترافات صريحة بفشل التقدير، وتآكل الردع، وحدود القوة العسكرية في تحقيق الحسم.
هذه الفجوة ليست جديدة في التجربة الإسرائيلية، لكنها اليوم أكثر وضوحاً وحدة، في ظل تعدد جولات الصراع الممتدة من غزة إلى لبنان وصولاً إلى إيران. وهنا يمكن استحضار القاعدة التي تقول “النجاح العسكري لا يكتمل إلا إذا تُرجم إلى إنجاز سياسي مستدام”، وهي القاعدة التي يبدو أن الكيان الصهيوني يعجز عنتحقيقها في جولاته الأخيرة.
في هذا السياق، يحاول إيال زيسر نائب رئيس جامعة تل أبيب تقديم مقاربة تاريخية تربط بين الحاضر وتجربة العدوان الثلاثي عام 1956، مؤكداً أن "إسرائيل" نجحت حينها في “ترجمة نتائج المعركة العسكرية إلى إنجازات سياسية بعيدة الأثر”. غير أن هذا الطرح ينقلب، في جوهره، إلى إدانة ضمنية للواقع الراهن، إذ يعترف الكاتب بأن الحروب اللاحقة، وعلى رأسها حرب لبنان الثانية وحروب غزة، “انتهت بلا صورة نصر، والأهم من ذلك بلا حسم واضح”، وأن الإنجازات العسكرية لم تُستثمر سياسياً.
بل إن زيسر نفسه يقرّ بأن نتائج المواجهة الحالية مع إيران “لا يزال من الصعب تقريرها”، في ظل “غياب صور نصر أو معطيات لم يبلغ بها الجمهور”، وهو ما يعكس أزمة عميقة في مصداقية الرواية الرسمية للقيادة الإسرائيلية، ويطرح تساؤلات حول حقيقة ما جرى بعيداً عن الدعاية السياسية لنتنياهو ودائرته.
على مستوى آخر، تكشف مقالة خبيرة الأمن القومي شيرا بربيفاي شاحام عن خلل بنيوي في أداء الاستخبارات الإسرائيلية، يتمثل في فشل متكرر في تقدير قدرات الخصوم ونواياهم. ويكفي الاستشهاد بالاعتراف الذي نقله المقال عن قائد المنطقة الشمالية: “هناك فجوة بين ما اعتقدناه وما نكتشفه فعلياً”، وهي عبارة تختصر أزمة تقدير استراتيجية ممتدة.
وتؤكد الكاتبة أن ما جرى ليس حادثة معزولة، بل “إخفاق مستمر في قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على تقييم جاهزية العدو”، مشيرة إلى أن سيناريوهات ما قبل 7 أكتوبر كانت أسيرة تقديرات متفائلة، “لم تتخيل الجرأة والخطة الواسعة” التي نفذتها المقاومة. وهو ما يعكس انهياراً في أحد أهم أعمدة الأمن القومي الإسرائيلي: التفوق الاستخباري.
💬 التعليقات (0)