يُشكل الحزب الشيوعي اللبناني ظاهرة استثنائية في المشهد السياسي اللبناني، حيث أتم قرناً من الزمن في بيئة قائمة على التوازنات الطائفية والمذهبية. ومنذ انطلاقته في تشرين الأول 1924 تحت مسمى 'حزب الشعب اللبناني'، سعى الحزب لتقديم رؤية علمانية تقرأ المجتمع من منظور طبقي واقتصادي بعيداً عن المحاصصات الطائفية.
تأسس الحزب على يد مجموعة من المناضلين والنقابيين والمثقفين، أبرزهم فؤاد الشمالي ويوسف يزبك وآرتين مادويان، وبدعم من الأممية الشيوعية (الكومنترن). وقد اتخذ الحزب من المطرقة والمنجل شعاراً له، تعبيراً عن تحالف العمال والفلاحين في مواجهة الإقطاع والرأسمالية والاحتلال الفرنسي آنذاك.
تبنى الحزب العقيدة الماركسية اللينينية كمنهج للتحليل، واضعاً نصب عينيه بناء دولة ديمقراطية علمانية تحقق العدالة الاجتماعية. ويرى الحزب أن الأزمة اللبنانية الجوهرية تكمن في تحالف النظام الطائفي مع الاقتصاد الريعي المصرفي، مما أدى إلى تهميش الطبقات المنتجة وإفقار الأجراء.
خلال الحرب الأهلية اللبنانية، انخرط الحزب في العمل العسكري عبر 'الحرس الشعبي' ضمن الحركة الوطنية اللبنانية. إلا أن المحطة الأبرز في تاريخه العسكري كانت إطلاق 'جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية' (جمول) عام 1982، والتي سجلت عمليات نوعية ضد الاحتلال الإسرائيلي في بيروت والجنوب.
واجه الحزب تحديات كبرى مع انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات، مما أدى إلى فقدان المظلة الأيديولوجية والدعم الدولي. وتزامن ذلك مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وتكريس اتفاق الطائف، الذي أعاد إنتاج النظام على أسس طائفية ضيقت الخناق على القوى العلمانية واليسارية.
عاش الحزب صراعات داخلية ومراجعات فكرية قادها قادة ومفكرون بارزون مثل جورج حاوي وكريم مروة. وقد دفع الحزب ثمناً باهظاً من دماء مفكريه، حيث اغتيل كل من حسين مروة ومهدي عامل في الثمانينيات، مما شكل ضربة قاسية للبنية الفكرية لليسار اللبناني.
💬 التعليقات (0)