يأتي كتاب 'تجلّي الإله: جدل الإلهي والإنساني في الفكر العربي المعاصر' للدكتور أحمد محمد سالم، والصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، كإسهام فكري يسعى لتفكيك التوتر القائم بين التقاليد الدينية والضغوط الحضارية الحديثة. يطرح الكتاب تساؤلات جوهرية حول كيفية مواجهة الفكر العربي لذاته في ظل الأزمات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة، معتبراً أن فهم المقدس يقع في قلب هذه التحولات.
ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن التجربة الدينية لا يمكن عزلها عن التاريخ أو الوعي البشري، بل هي سيرورة مستمرة من إنتاج المعنى. ويرى أن التأويل ليس مجرد ترف فكري، بل هو أداة لممارسة الحرية والمسؤولية الأخلاقية، مما يضع الإنسان في مركز التجربة الروحية بعيداً عن القوالب العقائدية الجامدة التي فرضتها عصور الانغلاق.
يقدم الكتاب قراءة مقارنة رصينة مع أبرز المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، حيث يتقاطع مع مشروع محمد أركون في نقد العقل الإسلامي، لكنه يختلف عنه في الحفاظ على البعد الرمزي والروحاني للنص. فبينما ركز أركون على الأدوات السوسيولوجية لتفكيك السلطة المعرفية، يسعى سالم إلى إيجاد مساحة لتجلي المقدس داخل الوعي الإنساني الحديث دون فقدان جوهره المتعالي.
كما يستحضر الكتاب رؤية فتحي المسكيني في إعادة ترجمة المقدس داخل أفق الإنسان المعاصر، محذراً من تحويل الدين إلى هوية مغلقة تعيق التفكير الحر. ويحاول المؤلف موازنة هذا الطرح مع نزعة 'أنسنة الفقه' لدى حسن حنفي، التي تمنح الإنسان مركزية كفاعل تاريخي، مع الحفاظ على مسافة دقيقة تمنع ذوبان المقدس في المشروع الإنساني الصرف.
وفي سياق متصل، يناقش الكتاب أفكار أبي يعرب المرزوقي حول العلاقة بين الوحي والفعل الإنساني، معتبراً أن الوحي يؤسس العقل ولا يصادره. هذا التعدد في المراجع الفكرية يجعل من الكتاب حالة وسطية تحاول صياغة مسار ثالث يجمع بين الانفتاح على المعنى والحفاظ على الأبعاد الرمزية التي تشكل وجدان الأمة.
يتطرق القسم الثاني من العمل إلى العلاقة الشائكة بين المقدس والسلطة، موضحاً كيف تم استخدام التأويل كأداة للهيمنة السياسية والاجتماعية عبر التاريخ. وتؤكد مصادر تحليلية أن الصراع حول النصوص لم يكن دوماً صراعاً لاهوتياً، بل كان في جوهره صراعاً على من يملك حق منح الشرعية وتوجيه المجتمع من خلال احتكار المعنى.
💬 التعليقات (0)