لم يعد الحديث عن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين مجرد شهادات فردية أو روايات حقوقية متفرقة، بل بات موثقاً في تقارير دولية رسمية تصدر عن الأمم المتحدة نفسها. فالتقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لم يكتفِ بالإشارة إلى وجود تجاوزات أو “حالات معزولة”، بل وضع قوات الأمن الإسرائيلية على “القائمة السوداء” للجهات المسؤولة عن العنف الجنسي في النزاعات وارتكاب جرائم حرب.
هذه ليست مسألة رمزية أو سياسية فقط، بل إدانة قانونية وأخلاقية خطيرة لدولة تدّعي أنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، بينما تكشف الوقائع أن التعذيب والإذلال والاعتداءات الجنسية تحوّلت إلى أدوات ممنهجة ضد الفلسطينيين، خاصة بعد السابع من أكتوبر.
وشرح التقرير الأممي بشكل واضح أنواع الجرائم التي جرى توثيقها، مثل الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاعتداءات الجنسية والتعرية القسرية والتهديد بالاغتصاب وتصوير بعض الاعتداءات. وهذه ليست تجاوزات فردية لجنود منفلتين، بل أنماط متكررة حدثت داخل معسكرات احتجاز وسجون ومراكز تحقيق معروفة، مثل “سديه تيمان” و”مجدو” و”عوفر” و”نفحة”، ما يعني أن المسألة مرتبطة ببنية مؤسساتية كاملة سمحت بحدوث هذه الجرائم، وربما شجعتها بالصمت والحماية وعدم المحاسبة.
إن هذه المنظومة لم تقتصر على الأجهزة الأمنية وحدها، بل امتدت لتشمل تواطؤاً واضحاً من قِبل كوادر طبية إسرائيلية داخل تلك المصحات والمعسكرات، والذين ساهموا إما بالصمت وتغطية آثار التعذيب، أو بالامتناع عن تقديم الرعاية الإنسانية اللازمة، مما يثبت الشراكة الكاملة في الجريمة.
لهذا فإن الأخطر في التقرير ليس فقط حجم الجرائم، بل الإشارة الصريحة إلى “ثقافة الإفلات من العقاب”. فحين يُلغى ملف جنائي ضد جنود متهمين بالاعتداء الوحشي على معتقل فلسطيني رغم وجود تسجيلات وتقارير طبية، فإن الرسالة التي تصل إلى الجنود وأجهزة الأمن واضحة: يمكنكم فعل أي شيء بالفلسطينيين دون خوف من العقاب.
ولم تعد عمليات تصوير هذه الاعتداءات مجرد توثيق داخلي أعمى، بل تحولت عبر تسريبها المتعمد لوسائل الإعلام إلى أداة للحرب النفسية وكي الوعي الفلسطيني، وإرضاءً لشارع إسرائيلي متطرف بات يرى في تعذيب الفلسطينيين مادة للتشفي والترفيه، مما يعكس انهياراً أخلاقياً مجتمعياً شاملاً.
💬 التعليقات (0)