يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم أمام تساؤلات مصيرية تتجاوز موعد انتهاء العمليات العسكرية، لتطال جوهر وجود الدولة ودورها في الخارطة الإقليمية المتغيرة. فالمفاوضات التي تجري في أروقة واشنطن وعبر الوسطاء الدوليين تبدو حتى اللحظة بلا أنياب، في وقت يتوسع فيه القتل والتهجير بشكل يومي على الأرض.
تشير الوقائع الميدانية إلى أن المسار السياسي لا يزال متأخراً بخطوات عن وتيرة التصعيد، مما يضع البلاد في حالة استنزاف مفتوحة يدفع ثمنها المدنيون من أمنهم واقتصادهم. إن المشهد القائم يعكس عجزاً داخلياً واضحاً في مواجهة حسابات خارجية معقدة تضع لبنان في عين العاصفة.
تثبت التجربة التاريخية مع الاحتلال الإسرائيلي أن التفاوض بالنسبة له ليس سوى أداة للمناورة وكسب الوقت لفرض وقائع جديدة بالقوة. هذا النهج القائم على القضم التدريجي يجعل من أي وعود دبلوماسية مجرد حبر على ورق ما لم تقترن بضمانات دولية صارمة تفتقدها الساحة حالياً.
تدار المفاوضات الحالية تحت وطأة الغارات الجوية المكثفة والضغط النفسي والاقتصادي الممنهج، بهدف الوصول بالمجتمع اللبناني إلى مرحلة الإنهاك الكامل. إن الاحتلال لا يسعى فقط لضغط عسكري مؤقت، بل يعمل على إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في المنطقة برمتها عبر فرض تغييرات طويلة الأمد.
تتجاوز الحروب الحديثة مفهوم المواجهة الميدانية لتصبح أدوات لإضعاف البيئات الداخلية وإنتاج وقائع ديموغرافية جديدة عبر سياسة التهجير القسري. هذا الخطر يهدد لبنان بشكل مضاعف، حيث تتحول المناطق الحدودية إلى مساحات مفرغة، مما يغير من طبيعة التوازنات السكانية والسياسية المستقرة منذ عقود.
تعاني الدولة اللبنانية من هشاشة بنيوية تجعل من قدرتها على الصمود في وجه حرب طويلة الأمد أمراً شبه مستحيل. فالمؤسسات المشلولة والانهيار النقدي المستمر يحدان من قدرة الحكومة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للمواطنين في ظل هذه الظروف القاسية.
💬 التعليقات (0)