في 19 سبتمبر/أيلول 1948، وصل أول رئيس للحكومة اللبنانية بعد الاستقلال، رياض الصلح، إلى باريس على رأس وفد بلاده إلى الدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة. سرًّا، تسلل إليه ممثلون لإسرائيل المعلن تأسيسها حديثًا لاستقطابه نحو مفاوضات جانبية سرية. جاء الصلح حاملاً على كاهله حِمْل قرى لبنانية مُحتلة، وملف اللاجئين الفلسطينيين، واختلالاً مفاجئاً في ميزان القوى تجاه مليشيات عسكرية جديدة شكَّلت عماد الجيش الإسرائيلي.
لم تكن حينها إسرائيل دولة راسخة في الإقليم، ووجَّهت عينها تجاه تثبيت المنجزات العسكرية لحرب عام 1948 (النكبة الفلسطينية) سياسيًا. وكان ملف التفاوض مع الصلح مرتبطًا باحتلال إسرائيل للأراضي اللبنانية، وبعروض شخصية للصلح نفسه على رأسها تحويله إلى صانع سلام عربي، ودعمه بالإمكانات اللازمة لتعزيز مكانته السياسية والإعلامية، والترويج له في الصحافة الأمريكية، ومحاولة إغرائه بعروض مالية سخية تحت عنوان تهيئة الرأي العام لقبول اتفاق عربي-يهودي، كونه حينها أرفع مسؤول عربي يشارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس.
"كان ديفيد بن غوريون يُحضِّر لاغتيال الصلح بالتوازي مع مسار التفاوض، كما عمل على تثبيت احتلال القرى اللبنانية الجنوبية تمهيدا لاحتمال ضمِّها"
ورغم هذا الترحاب والتهليل للتفاوض مع الصلح، كان ديفيد بن غوريون، رئيس الحكومة الإسرائيلية حينها، يُحضِّر لاغتيال الصلح بالتوازي مع مسار التفاوض، والعمل على تثبيت احتلال القرى اللبنانية الجنوبية تمهيدًا لاحتمال ضمِّها، مع استثمار الانقسامات اللبنانية لإضعاف حكومة الصلح أو الضغط عليها، خاصة أن الجماعات اليهودية فتحت خطوط اتصال سابقة مع أطراف لبنانية أخرى.
من جهته، تمسَّك الصلح بالسؤال عن أساس السلام وماهيته، ورفض سياسة فرض الواقع بالقوة، مُصِرًّا على انسحاب إسرائيل من القرى اللبنانية المحتلة. ومع تمنُّع الصلح، فعَّلت إسرائيل خيار بن غوريون، وحاولت فعلاً اغتيال الصلح، لكنها أخفقت، كما فشلت مفاوضات باريس السرية، ومن ثمَّ تمَّت الهدنة بعدها عبر مسار الأمم المتحدة، انطلاقاً من قرار مجلس الأمن 62، بعد محاولات إسرائيلية استمرت حتى اللحظة الأخيرة للبقاء في نقاط إستراتيجية داخل الأراضي اللبنانية إلى حين إبرام هدنة مع سوريا.
بعد 77 عاماً، وفي 14 مايو/أيار 2026، حضر السفير اللبناني السابق سيمون كرم اجتماعًا مع وفد إسرائيلي، وفي مقدمته يوسي درازنين، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، وبمشاركة السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، في مرحلة أولى من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن استمرت ليومين، بعد لقاءات تمهيدية سابقة جمعت سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض مع يحيئيل ليتر.
💬 التعليقات (0)