تشهد الدولة المصرية في الآونة الأخيرة تحولات جذرية تتجاوز مفاهيم الفشل الاقتصادي التقليدي، حيث يرى مراقبون أن السياسات الحالية تؤسس لنموذج يعتمد على التبعية الدائمة. يظهر ذلك جلياً في الخطاب الرسمي الذي يركز على حتمية الفقر وندرة الموارد كحقائق جغرافية لا يمكن تجاوزها، مما يهيئ الرأي العام لقبول تراجع الدور الريادي للدولة.
تتجلى هذه السياسات في ملف الأمن المائي، حيث يعتبر توقيع اتفاق إعلان المبادئ بشأن سد النهضة في عام 2015 نقطة تحول تاريخية. هذا الاتفاق منح الجانب الإثيوبي غطاءً قانونياً وسياسياً للمضي قدماً في عمليات البناء والملء دون ضمانات حقيقية تحمي حصة مصر التاريخية في مياه النيل.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تثير الفجوة بين الإنفاق الضخم على المشاريع الإنشائية الكبرى وبين تدهور الخدمات الأساسية تساؤلات عميقة. فبينما تُضخ مئات المليارات في العاصمة الإدارية والقصور الرئاسية، تعاني قطاعات الزراعة والصناعة والبحث العلمي من نقص حاد في التمويل والدعم اللازمين لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
لقد تحولت مصر في السنوات الأخيرة إلى مستورد ضخم للغذاء والطاقة، وهو ما يمثل تراجعاً عن طموحات الاستقلال الاقتصادي. والمفارقة تكمن في أن الدولة التي تمتلك موارد طبيعية شاسعة باتت تعتمد على استيراد الغاز من إسرائيل، نتيجة ترتيبات واتفاقيات ترسيم حدود بحرية أثارت جدلاً واسعاً حول الحقوق السيادية.
إن التوسع في سياسة الاقتراض الخارجي أدى بالضرورة إلى اللجوء لبيع أصول الدولة الاستراتيجية لسداد الفواتير المتراكمة. شملت هذه المبيعات موانئ حيوية وشركات وطنية وبنوكاً، مما يعزز المخاوف من فقدان السيطرة الوطنية على مفاصل الاقتصاد لصالح مستثمرين أجانب وصناديق سيادية إقليمية.
وفي قطاع الزراعة، يواجه الفلاح المصري تحديات جسيمة في ظل فتح الأراضي أمام الاستثمارات الأجنبية التي تخصص إنتاجها للتصدير. هذا التوجه يفاقم من أزمة الغلاء والجوع محلياً، حيث يصبح المواطن مجرد مستهلك في سوق تتحكم فيه القوى الخارجية والشركات العابرة للحدود التي تستفيد من المياه والأرض المصرية.
💬 التعليقات (0)