تثير نقاشات المجالس الثقافية والأكاديمية حول التعريب تساؤلات جوهرية تتجاوز مجرد البحث عن مفردات بديلة للمخترعات الغربية. فبينما يجتهد اللغويون في نحت مصطلحات مثل 'كظامة' بدلاً من 'ترمس'، يبرز السؤال الأهم حول قيمة التسمية لمنتجات لم نشارك في ابتكارها أو تطويرها أصلاً.
إن الانشغال بالجانب اللغوي الصرف قد يتحول أحياناً إلى شعور زائف بالإنجاز الحضاري، بينما تظل الفجوة العلمية قائمة. فاللغة العربية، رغم ثرائها وقدرتها الفائقة على الاشتقاق، تظل وعاءً يحتاج إلى محتوى معرفي وعلمي حديث يملؤه ليكون فعالاً في العصر الراهن.
تشير القراءات التحليلية إلى أن الحماس للتعريب، رغم مشروعيته كحماية للهوية، قد يصطدم بواقع مرير إذا لم يُدعم بمنظومة علمية متكاملة. فالقرار اللغوي المعزول عن شروط النهضة الحقيقية قد يؤدي إلى نتائج عكسية تعيق التواصل مع حركة العلم العالمية.
في التجربة السودانية، اتجهت الدولة نحو تعريب التعليم الجامعي في التخصصات العلمية والطبية بنوايا وطنية واضحة. ومع ذلك، يرى أكاديميون أن غياب مؤسسات الترجمة والمراجع المحدثة خلق فجوة معرفية لدى الخريجين في ملاحقة المصادر العلمية الدولية.
أما النموذج الموريتاني، فيقدم مثالاً آخراً على التميز اللغوي والأدبي الرفيع الذي لم يترجم بالضرورة إلى نهضة صناعية أو تقنية. وهذا يؤكد أن التمكن من الفصحى، رغم أهميته الثقافية، لا يضمن تلقائياً التفوق في مجالات البحث العلمي أو المنافسة الاقتصادية.
بالمقابل، نجد أن تجارب دول مثل اليابان والصين لم تكن مجرد قرارات عاطفية بالتدريس باللغة الوطنية. لقد بنت هذه الأمم دول علم حقيقية، وربطت الجامعات بقطاعات الصناعة، وأنشأت منظومات ترجمة عملاقة تنقل المعرفة العالمية فور صدورها.
💬 التعليقات (0)