تتكشف ملامح الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة ضد إيران عن أنماط معقدة من الانخراط الدولي، تتراوح بين المشاركة المباشرة والعزوف الخجول أو محاولات الوساطة. وفي ظل هذا الاستقطاب، تبرز الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في خندق واحد بقيادة واشنطن، بينما تقف روسيا والصين كقوة ثانية موازية تراقب مصالحها المتضررة أو المستفيدة من استمرار النزاع.
تجد القوى الأوروبية الكبرى، وتحديداً فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نفسها في حالة تذبذب مستمر بين الطموح للعب دور القوة الدولية الثالثة، وبين البقاء في وضعية 'الباحة الخلفية' للنظام الدولي الذي تقوده أمريكا. هذا المأزق ليس وليد اللحظة، بل تعمق بفعل الاهتزازات التي ضربت العلاقات الأطلسية خلال فترات إدارة الرئيس دونالد ترامب.
اتسمت سياسة ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين بنوع من الابتزاز المباشر، سواء عبر فرض الرسوم الجمركية أو الضغط لزيادة موازنات الإنفاق العسكري في حلف شمال الأطلسي. وقد وصل الأمر إلى التشكيك في مبدأ الدفاع المشترك، بل والتلويح بضم جزيرة غرينلاند، مما خلق فجوة ثقة عميقة بين ضفتي الأطلسي.
على الصعيد الميداني، ترجمت هذه التوترات إلى إجراءات فعلية مثل سحب آلاف الجنود الأمريكيين من القواعد العسكرية في ألمانيا. هذا الواقع وضع القارة العجوز في حيرة استراتيجية، تجلت بوضوح في البيانات الدبلوماسية الهشة التي تحاول الموازنة بين استرضاء واشنطن والحفاظ على شعرة معاوية مع طهران.
البيان الثلاثي الصادر عن باريس ولندن وبرلين في بداية التصعيد يعكس هذا الارتباك؛ إذ يطالب إيران بوقف هجماتها تحت طائلة الدفاع الضروري، وفي الوقت ذاته يؤكد العمل المشترك مع واشنطن. هذا الخطاب يغفل الجوانب الهجومية ويركز على الدفاع، في إقرار ضمني بالحرج من اتخاذ قرارات صعبة مثل السماح للقاذفات الأمريكية بالانطلاق من القواعد الأوروبية.
تبدو القارة العجوز، رغم عراقتها التاريخية ومؤسساتها الموحدة، عاجزة عن صياغة سياسة خارجية مستقلة تماماً عن الإرادة الأمريكية في ملفات الشرق الأوسط الشائكة. وحتى داخل البيت الأوروبي، يغيب التجانس في المواقف بين العواصم الثلاث الكبرى، حيث يطغى التذبذب والتهرب من الاستحقاقات الاستراتيجية الكبرى.
💬 التعليقات (0)