خيم الحزن والوجع على أجواء العيد في قطاع غزة، حيث غابت مظاهر الاحتفال المعتادة وحلت مكانها طقوس الفقد والحرمان. وبدلاً من التوجه إلى الساحات العامة، تقاطرت حشود من المواطنين نحو المقابر في النصيرات وخان يونس لزيارة أحبائهم الذين ارتقوا خلال الحرب المستمرة. وقد بدت ملامح الانكسار واضحة على وجوه الأمهات والأرامل اللواتي لم يجدن سوى شواهد القبور لمخاطبة أبنائهن وأزواجهن في يوم كان يُفترض أن يكون للفرح.
في مقبرة النصيرات، روت أم محمد عطية مأساتها وهي تحتضن أحفادها اليتامى فوق قبر نجلها الأكبر، مستذكرة كيف كان أول المهنئين لها في كل عيد. هذه القصة تتكرر في كل زاوية من القطاع، حيث تحولت الأعياد إلى مواعيد لنكء الجراح واستحضار ذكريات العائلات التي تشتت شملها بين شهيد ونازح. وأكدت مصادر محلية أن غياب المعيل والمنزل بدد أي شعور بالبهجة، خاصة في خيام النزوح المتهالكة التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وعلى صعيد المعاناة المعيشية، تعيش آلاف الأسر في خيام ضيقة بمناطق المواصي، مثل عائلة المصري التي نزحت 14 مرة قبل أن تستقر في خيمة لا تتجاوز مساحتها 16 متراً مربعاً. وتواجه هذه الأسر صعوبات بالغة في توفير احتياجات الأطفال الأساسية، حيث حال الغلاء الفاحش ونقص السيولة النقدية دون شراء ملابس العيد. وقد لجأ البعض للتحويلات البنكية لتقديم العيدية بسبب اهتراء العملات الورقية المتداولة ومنع دخول كميات جديدة منها.
وتشير البيانات الإحصائية الرسمية إلى حجم الكارثة الإنسانية، حيث ارتفع عدد الأرامل في القطاع ليصل إلى أكثر من 22 ألف امرأة، فيما باتت النساء يعلن نحو 18% من الأسر الغزية. ومن جانبها، حذرت منظمة اليونيسف من تداعيات الحرب النفسية والجسدية على الأطفال، مؤكدة أن أكثر من 56 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، مما يضع جيلاً كاملاً أمام مستقبل مجهول يملؤه اليتم وسوء التغذية.
وفيما يتعلق بالشعائر الدينية، حرمت سلطات الاحتلال سكان القطاع من أداء شعيرة الأضحية بشكل متعمد عبر إغلاق المعابر ومنع دخول الماشية. وأفاد المكتب الإعلامي الحكومي بأن الاحتلال منع دخول نحو 41 ألف رأس من العجول والأغنام كانت مخصصة لموسم العيد. هذا الإجراء اعتبرته مصادر حقوقية انتهاكاً صارخاً للحقوق الدينية والإنسانية، وخطوة تهدف لتشديد الحصار وتجويع السكان في ظل حرب الإبادة الجماعية.
أما أطفال غزة، فقد غابت عنهم الملاهي والحدائق، ليجدوا أنفسهم يلهون فوق ركام المنازل المدمرة أو ينشغلون بمساعدة عائلاتهم في نقل المياه وتدبير شؤون الخيام. ورغم أصوات التكبير التي صدحت من فوق أنقاض المساجد، إلا أن أصوات القصف الإسرائيلي ظلت تلاحق النازحين، لتؤكد أن غزة تعيش عيداً استثنائياً يختلط فيه الصمود بالألم، وتغيب فيه الأضاحي لتُستبدل بدماء الضحايا وصبر الثكالى.
💬 التعليقات (0)