لم يخفِ نتنياهو إحباطه الشديد من استبعاده عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ولم لا؟ ما دام سوّق نفسه كشريكٍ كاملٍ ومتكافئ في الحرب، وفوق ذلك صاحب اليد الطولى في الاغتيالات النوعية التي قتلت المرشد وكبار مساعديه، فإذا به يسمع بأخبار المفاوضات مع إيران من طرفٍ ثالث، وأكثر ما حصل عليه مكالمةٌ هاتفية كأي مكالمة أجراها ترمب مع زعماء في الشرق الأوسط لمجرد الوضع في الصورة.
المفاوضات الجارية الآن في أكثر من مكان، وتواتر الحديث عن تقدّمٍ ملموس يمكن أن يُفضي إلى اتفاق، تزامنت مع الاحتمالات القوية بتقديم موعد الانتخابات في إسرائيل، وكذلك مع تزايد الانتقادات الشعبية لنتنياهو بفعل فشله الظاهر في تحقيق أهداف الحرب كما وعد، وفشله كذلك في أن يكون رقماً مستقلاً في العلاقة مع ترمب، بل مجرد تابعٍ يمكن تجاهله في الحالات السياسية الحاسمة.
كل ذلك وضعه في مأزقٍ صعب يهدد مستقبله السياسي ويهدد تحالفه بخسارة الانتخابات، ما يقرّب احتمال لجوئه إلى الخيار الأسوأ، وهو اعتزال السياسية أو قضاء ما تبقى من عمره في السجن.
في الأشهر القليلة المتبقية على الانتخابات في إسرائيل، لم يعد أمامه من مخرجٍ كما يفكر سوى اللجوء إلى مزيدٍ من المذابح في غزة، وتوسيع ساحة الحرب في لبنان، والإيعاز للمستوى العسكري بمضاعفة أعداد القتلى على الجبهتين، وذلك في مقايضةٍ بائسةٍ بين الجثث والأصوات.
الرئيس ترمب يفتّش بصعوبةٍ تصل حدّ الاستحالة عن صورة المنتصر في الحرب، ويؤلّف كل ساعة، تغريدةً تدل على أنه صاحب الكلمة العليا، مع أن الوقائع تؤكد عكس ذلك تماماً، فهو يدرك ولكنه مضطرٌ للإنكار، ولا يفصح عن أن نتنياهو يقوّض مشروعه المسمّى بمجلس السلام، ويجعل من المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية التي تجري تحت رعايته في واشنطن، مجرّد استعراضٍ باهتٍ للفشل المحقق الذي مُني به في الملف اللبناني، يُضاف إلى ذلك هروبه الساذج إلى الأمام، حين طلب من بعض الدول العربية والإسلامية الانضمام إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، لمجرد وقف إطلاق النار المحتمل مع إيران.
هذا هو الوضع الآن، ارتباكٌ ظاهرٌ يعتري لغة وسلوك ترمب، وعصبيةٌ منفلتةٌ من أي ضوابط لنتنياهو، وكأن الاثنين يطاردان طواحين الهواء، لعلهما يحققان صورة نصرٍ.
💬 التعليقات (0)