تعد محدودية الطاقة النفسية ثغرة جوهرية يستغلها مهندسو الوعي للسيطرة على المجتمعات، حيث يمتلك الإنسان مخزوناً قابلاً للنفاذ من القدرة على مواجهة الأزمات. وحين يتم إغراق الفرد في سيل من التهديدات والمعارك الهامشية، يصل إلى حالة 'استنفاد الأنا'، وهي مرحلة تضعف فيها قوة الإرادة ويصبح المرء ميالاً للقبول بأي خيار متاح دون تمحيص.
تتجلى خطورة هذه الاستراتيجية فيما يُعرف بـ'العجز المتعلم'، حيث تتولد قناعة لدى الأفراد بأن أي محاولة للتغيير هي عبث لا طائل منه. هنا تتدخل اللامبالاة كآلية دفاعية غريزية لحماية التوازن النفسي من الانهيار، وهو ما يهدف إليه المستبد تماماً: مجتمع يرى الفساد ولا يتحرك، ليس تأييداً له، بل لعدم امتلاكه الطاقة اللازمة للاعتراض.
تجسد حكاية 'هز القفص' الرمزية هذا النمط من الحكم، حيث يتم إفقاد الجماهير توازنها عبر الضغط العنيف تارة واللين تارة أخرى حتى تستكين وتتخدر. وعندما يُفتح باب القفص، تظل الشعوب المنهكة في مكانها تترنح، فاقدة للرغبة في الخروج أو التحرر، مستسلمة للدوامة التي صُنعت لها بدقة.
مثلت حقبة الرئيس جمال عبد الناصر في مصر نقطة التدشين المؤسسي لهذا النمط من السيطرة النفسية في التاريخ المعاصر. فقد انتقلت أدوات السلطة من القمع المادي التقليدي إلى منظومة متكاملة للغمر والإنهاك النفسي، أدارتها ترسانة إعلامية وفنية ودينية وتنظيمية فائقة القوة، وضعت 'الكتالوج' الأساسي الذي سارت عليه الأنظمة اللاحقة.
اعتمدت المرحلة الأولى من هذه الهندسة على 'صناعة الإنسان الأداة'، حيث جرى تحويل الحقوق الأساسية إلى منح سلطوية تستوجب الولاء المطلق. فعلى سبيل المثال، استُثمر قانون الإصلاح الزراعي لتحويل الفلاح إلى مدين بوجوده لشخص الزعيم، مما جعله أداة طيعة في ماكينة المشروع القومي، يصفق ويهتف وفقاً لمؤثرات الإعلام الموجه.
في المرحلة الثانية، جرى 'صناعة العقل التابع' عبر مقايضة كبرى تضمن الأمان المعيشي والوظيفة الحكومية مقابل التخلي عن التفكير المستقل. تحولت الوظائف المضمونة إلى مكافأة على الطاعة، مما جعل البيروقراطية المكدسة شبكة من المصالح الصغيرة التي تختار طوعاً ألا ترى الحقيقة، وتعتبر غياب الحريات ثمناً ضرورياً للاستقرار.
💬 التعليقات (0)