تعكس العمليات العسكرية الأخيرة التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في وسط مدينة غزة ومناطق الشمال، تحولاً بارزاً في طبيعة الأداء الميداني؛ حيث بات يركز على محاولة استهداف القيادات العسكرية وما يصفه بـ "الهيكل العملياتي المتبقي" للمقاومة الفلسطينية، بعد تآكل بنك أهدافه المتعلق بالتدمير الواسع للبنى التحتية والمنشآت المدنية.
ويرى مراقبون أن التدفق المتزامن للتسريبات عبر القنوات الإعلامية العبرية حول استهداف قادة ألوية وكتائب في المقاومة -قبيل صدور أي إعلان رسمي من قادة جيش الاحتلال- لا يندرج في إطار التغطية المهنية، بل يمثل جزءاً من "حرب نفسية" وإدارة سياسية مأزومة للمعركة؛ بهدف تسويق إنجازات وهمية، والإيحاء بامتلاك قدرات استخبارية عميقة للتغطية على الفشل الميداني بعد أشهر طويلة من التوغل.
واللافت في الهجمة الأخيرة، تركيز الرواية الصهيونية على استهداف "اجتماع رفيع المستوى" يضم قيادات بارزة من ألوية الشمال وغزة؛ في محاولة واضحة للإيحاء بالانتقال إلى مرحلة "تصفية منظومة القيادة"، وليس مجرد ملاحقة عناصر ميدانيين. أخبار ذات صلة قيادي بحماس يفضح عجز الاحتلال الميداني ويكشف أهداف "حرب الانتقام" من ذوي القادة حزب حريدي يُهدد نتنياهو: إعلان نتائج الانتخابات في 7 أكتوبر يُمثل "قمة الفشل"
ويعكس هذا السلوك إدراكاً لدى المؤسسة الأمنية والعسكرية للاحتلال بأن المعركة الحالية لم تعد مرتبطة بالسيطرة الجغرافية التي عجز عن تثبيتها، بل بمحاولة يائسة لمنع إعادة بناء منظومة القيادة والسيطرة لدى فصائل المقاومة، لاسيما في المناطق التي شهدت انسحابات جزئية لجيش الاحتلال وعودة فورية وتدريجية للنشاط المقاوم.
وفي السياق ذاته، يكشف الحديث العبري عن صدور تعليمات قيادية (قبل نحو أسبوع) بتوسيع دائرة الاغتيالات ضد الكوادر العسكرية، أن الاحتلال حسم خياره بالانتقال إلى ما يُعرف بـ "الضغط المركّز". وتستهدف هذه المقاربة ضرب غرف التنسيق وشبكات الاتصال، بالتوازي مع مواصلة حرب التجويع والضغط الإنساني والمعيشي البشع ضد الحاضنة الشعبية في القطاع.
يحمل اختيار جيش الاحتلال الإسرائيلي لمناطق مكتظة بالسكان في قلب مدينة غزة لتنفيذ عملياته الأخيرة رسائل دموية وسياسية مزدوجة؛ إذ يعكس أولاً إصرار العدو على مواصلة حرب الإبادة الجماعية واستباحة دماء المدنيين داخل الحواضر السكنية ذات الكثافة العالية. وثانياً، يُشير إلى انتقال المعركة إلى نمط الاغتيالات والضربات الخاطفة في العمق الحضري، وهو أسلوب يعكس اعتماداً متزايداً على الجهد الاستخباري بدلاً من الاجتياحات البرية الواسعة التي باتت كلفة استنزافها البشري والمادي باهظة ومؤرقة لمنظومة الاحتلال.
💬 التعليقات (0)