أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة لوفان ومتخصص في تاريخ الفكر الاسلامي.
في واحدة من أكثر السير الأوروبية ارتباطا بتقاطع الاستعمار والعلم والدين مع الحج كفريضة إسلامية، تبرز قصة الطبيب الهولندي الدكتور بي. إتش. فان دير هوخ (1888-1957)، الذي عرف لاحقا بعد اعتناقه الإسلام باسم محمد عبد العلي، بوصفها رحلة متعددة الطبقات تجمع بين السياسة الاستعمارية تجاه مكة والحج، والطب الاستعماري، والبحث العلمي في علم البكتيريا، والتجربة الروحية المرتبطة بالحج ومكة المكرمة.
إنها ليست مجرد سيرة طبيب أوروبي في الحجاز، بل قصة تحول هوية رجل عاش بين عالمين: أوروبا، ومكة المكرمة باعتبارها مركزا روحيا عالميا تتكثف فيه التجربة الدينية الإسلامية.
يندرج فان دير هوخ ضمن موجة محدودة من الأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام في فترة ما بين الحربين العالميتين ، وهي موجة لم تكن واسعة في هولندا مقارنة ببلدان أوروبية أخرى مثل بريطانيا، أو فرنسا، أو ألمانيا. وقد ارتبطت هذه الظاهرة بسياقات فكرية وروحية لدى بعض النخب الأوروبية التي كانت تبحث عن بدائل دينية ومعنوية خارج الإطار المسيحي التقليدي، وفي الوقت ذاته كانت تتفاعل مع العالم الإسلامي بوصفه مجالا معرفيا، واستعماريا، وثقافيا متشابكا.
من لايدن إلى المستعمرات.. تشكل طبيب خارج المسار التقليدي
ولد فان دير هوخ في عام 1888 في أسرة عسكرية هولندية، وكان والده جنرالا في الجيش. تلقى تعليمه في جامعة لايدن الشهيرة، حيث درس علوم الطب في جامعتها العريقة والتي كانت قد شكلت مركزا مهما للاستشراق والدراسات الإسلامية في هولندا منذ نشأتها في نهاية القرن السادس عشر. ورغم اهتماماته العلمية المبكرة، دفعه والده نحو مسار صارم يجمع بين الطب والخدمة العسكرية، فاختار الانخراط في الطب الاستعماري بدلا من الحياة العسكرية البحتة على خطى أبيه.
💬 التعليقات (0)