أمد/ إذا كان التاريخ يُكتب على صفحات الجغرافيا السياسية فإن قطاع غزة اليوم يُعاد كتابته على خرائط الدمار البشري حيث تتحول الجغرافيا من فضاء للحياة إلى مسرح لتجريب أقصى درجات العنف المؤسسي. إن ما يجري في هذا الشريط الساحلي الممتد على 365 كيلومتراً مربعاً ليس مجرد حرب تقليدية تنتهي باتفاقيات هدنة بل هو استمرار لمنطق الاستعمار الاستيطاني بأدوات العصر الحديث يُمارس عبر سياسة الإفقار الممنهج والتهجير الديموغرافي والتدمير البنيوي للبنية التحتية للحياة.
تقف غزة اليوم على مفترق وجودي حرج فبعد أكثر عامين من التصعيد العسكري المستمر تشير التقديرات الدولية إلى أن التنمية البشرية في القطاع تراجعت بنحو 77 عاماً في تراجع تاريخي يعيدنا إلى حقبة ما قبل النكبة ذاتها، هذا الرقم ليس إحصائية جافة بل هو شهادة على انهيار منظومة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية،فقد دُمر أكثر من 370 ألف وحدة سكنية وأصبحت نسبة انكماش الاقتصاد 84% فيما يعيش نحو 1.7 مليون نازح في نحو 1600 موقع للنزوح معظمهم في خيام لا تقي حراً ولا برداً ولا مطراً. إن هذه الخيام التي تحولت إلى رمز للوجود الفلسطيني المؤقت الدائم ليست مجرد مأوى طارئ بل هي تجسيد لمفهوم الاستثناء السياسي الذي يحكم الفلسطيني في نظرية القانون الدولي فالنازح في خيمته يعيش في حالة جديدة حيث يُسلب منه الحق في الحياة المدنية دون أن يُمنح حق الاستشهاد البطولي محاصراً بين فكي الاحتلال العسكري والإنسانية الدولية المتخاذلة.
لقد جاء اتفاق الهدنة المُعلن في العاشر من أكتوبر 2025 ليُثبت أن التاريخ لا يعيد نفسه بالضبط لكنه يُكرر بنى السلطة والضعف ذاتها فالهدنة في تحليلها البنيوي لم تكن إيقافاً لمنطق الحرب بل تحويلاً له إلى منطق احتلال تدبيري فالقوات الإسرائيلية بقيت منتشرة في 64% من مساحة القطاع محولة الجغرافيا الفلسطينية إلى مناطق أمنية مغلقة فيما استمرت الغارات والقصف خارج الخط الأصفر محققة 942 شهيدا و2217 جريحاً منذ إعلان الهدنة وحتى أبريل 2026. هذه الهدنة في مقاربتها السياسية تُشبه السلام الإيجابي المزعوم في النظرية الدولية وهو في الحقيقة استمرار للحرب بأدوات دبلوماسية، فالخطة الأمريكية المُعلنة والمعروفة بـخطة ترامب العشرين نقطة تتضمن تشكيل لجنة وطنية لإدارة غزة تحت إشراف أجنبي ومجلس تنفيذي غير فلسطيني في صيغة تُذكرنا بالإدارات الاستعمارية في الحقبة المندثرية حيث يُنزع عن الشعب حق تقرير المصير ليُمنح إليه إدارة بلا سيادة.
في فلسفة السياسة تُعتبر الخيمة رمزاً للحياة المؤقتة التي تسبق العودة لكن في غزة تحولت الخيمة إلى بنية دائمة للوجود الفلسطيني المُهجر في تحول يُشكل تحدياً للمفهوم الغربي للدولة الأمة. فالخيام في رفح وخانيونس ودير البلح ليست مجرد مساكن بدائية بل هي أراضٍ بديلة يُمارس فيها الفلسطينيون سيادتهم المُنقوصة على فضاء محدود في ظل استمرار سياسة منع إعادة الإعمار الشامل. وتُشير التقارير الإنسانية إلى أن ظروف النزوح تفاقمت بفعل العواصف والأمطار التي دمرت المئات من الملاجئ فيما انتشرت الأمراض الجلدية والطفيليات بشكل وبائي خاصة بين الأطفال في ظل نقص حاد في مياه الشرب النظيفة 4.5-6 لترات للفرد يومياً والمواد الصحية. هذه الظروف تُنتج ما يمكن تسميته بالموت البطيء وهو شكل من أشكال العنف البيوبوليتيكي الذي يُمارس عبر حرمان السكان من شروط الحياة الأساسية دون اللجوء إلى القتل المباشر. تكمن المفارقة السياسية المركزية في أن اتفاق الهدنة يتجاهل أزمة التمثيل الفلسطيني الجذرية فهو يتفاوض مع المقاومة على الأرض بينما يسعى لتجاوزها سياسياً ويطلب من السلطة الفلسطينية الإصلاح دون أن يُمنحها دوراً في إدارة غزة في لعبة دبلوماسية تُفرغ العملية السياسية من مضمونها. كما أن الخطة تتجاهل الأفق السياسي المرتبط بالسيادة والحدود والقدس مما يجعلها في تحليلها النقدي مجرد إعادة إنتاج لصفقة القرن، إن هذا النموذج من الحكم تحت إشراف دولي يُعيد إنتاج منطق الوصاية الاستعمارية بلباس إنساني حديث.
إن المخرج من هذه الدائرة المغلقة لا يكمن في المزيد من اتفاقيات الهدنة المجزأة بل في إعادة الاعتبار للسيادة الشعبية كأساس للحل. فالخيام التي تُوّج غزة اليوم ليست مجرد رمز للهزيمة بل هي شاهد على صمود شعب يُمارس حقه في العيش رغم آلة الحرب، وإذا كانت إعادة الإعمار تقدر بـ71.4 مليار دولار على مدى عقد فإن إعادة بناء الإنسان الفلسطيني تتطلب أولاً اعترافاً قانونياً وسياسياً بحقه في العودة والتعويض والسيادة. إن الهدنة الكاذبة في خاتمة المطاف هي هدنة مع الظلم لا مع العدل وهدنة مع الاحتلال لا مع السلام،وطالما أن القانون الدولي يظل أسرى الفيتو السياسي وطالما أن الدبلوماسية الدولية تتعامل مع الفلسطيني ككائن إنساني دون أن تُقر به كمواطن ذي حقوق سياسية فإن الخيام ستظل شاهدة على فشل المجتمع الدولي وعلى استمرار الصراع في طريقه نحو حتمية تاريخية لا تُقاوم.
فايننشال تايمز": صندوق مجلس ترامب للسلام فارغ ويهدد مشاريع إعمار غزة
💬 التعليقات (0)