أمد/ لم تعد إسرائيل تواجه اليوم أزمةً عسكريةً أو أمنيةً عابرة، بل أزمةً أخلاقيةً وتاريخيةً عميقة تمس جوهر المشروع الصهيوني نفسه، بعد أن سقطت الأقنعة أمام العالم، وانكشفت حقيقة الممارسة الاستعمارية والعنصرية التي قامت عليها دولة الاحتلال منذ نشأتها وحتى اليوم. فعلى مدى عقود طويلة، سعت الحركة الصهيونية إلى تقديم إسرائيل بوصفها “الضحية الأبدية”، والدولة التي تمثل اليهود في العالم، مستثمرةً المأساة التاريخية التي تعرض لها اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، لتصنع لنفسها حصانة سياسية وأخلاقية وإعلامية غير مسبوقة. لكن ما يجري في فلسطين، وخاصة في غزة، أعاد طرح السؤال الأخلاقي الكبير أمام البشرية: كيف يمكن لمن ادّعى تمثيل الضحية التاريخية أن يمارس كل هذا القدر من القتل والتجويع والتدمير والحصار بحق شعب أعزل واقع تحت الاحتلال؟ إن سلوك دولة الاحتلال، وخاصة في ظل حكومات اليمين الديني والقومي المتطرف بقيادة Benjamin Netanyahu، يكشف عن عقلية استعلائية تعتبر إسرائيل كيانًا فوق القانون الدولي، وفوق القيم الإنسانية ذاتها. فالفلسطيني، في الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي المتطرف، لا يُنظر إليه كإنسان له حق طبيعي في الحياة والحرية والكرامة، بل كعائق ديمغرافي وأمني يجب إخضاعه أو اقتلاعه أو عزله. ومن هنا، لم تعد جرائم الحرب والانتهاكات اليومية مجرد “أخطاء عسكرية”، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة: قتل المدنيين، تدمير البنية التحتية، تجويع السكان، استهداف المستشفيات، تعذيب الأسرى، وتدمير شروط الحياة الإنسانية. وهي ممارسات لم تعد تخفى على العالم رغم كل محاولات التغطية الإعلامية والسياسية. لكن الأخطر من ذلك أن هذه السياسات تستند، لدى قطاعات واسعة من اليمين الصهيوني والديني، إلى رواية توراتية وأسطورية تعتبر فلسطين “أرضًا موعودة”، وتتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم مجرد “أغيار” لا يملكون حقوقًا متساوية. وهنا تكمن خطورة المزج بين الدين والسياسة والاستعمار، حين تتحول النصوص الدينية المؤولة إلى غطاء للاستيطان والاقتلاع والقوة العسكرية. غير أن هذه الرواية ليست حكرًا على الصهيونية اليهودية وحدها، بل تتقاطع معها أيضًا تيارات الصهيونية المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة وأوروبا، التي ربطت دعم إسرائيل بعقائد دينية ونبوءات غيبية، ومنحت المشروع الصهيوني غطاءً سياسيًا وأيديولوجيًا واسعًا. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال عهد Donald Trump، الذي قدّم لإسرائيل دعمًا غير مسبوق، سياسيًا واستراتيجيًا ورمزيًا. لكن التاريخ يحمل مفارقاته القاسية. فإسرائيل التي حاولت دائمًا احتكار دور الضحية، بدأت تتحول تدريجيًا في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى نموذج لدولة الاحتلال والفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني. ولم يعد هذا التحول مقتصرًا على شعوب العالم العربي والإسلامي، بل امتد إلى الجامعات الغربية، والنقابات، والمؤسسات الحقوقية، ووسائل الإعلام المستقلة، وحتى داخل الأوساط اليهودية نفسها. لقد كشفت حرب غزة حجم التناقض الأخلاقي داخل المنظومة الغربية التي تتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية، بينما تواصل دعم الاحتلال سياسيًا وعسكريًا. ولذلك، لم تعد الاتهامات الجاهزة بـ”معاداة السامية” قادرة على إسكات الأصوات الحرة كما في السابق، لأن العالم بات يميز أكثر فأكثر بين اليهودية كدين سماوي محترم، وبين الصهيونية كمشروع سياسي استعماري وعنصري. وهنا يجب التأكيد بوضوح: إن رفض الاحتلال وفضح جرائمه لا يعني العداء لليهود كيهود، بل هو موقف إنساني وأخلاقي وقانوني ضد الاستعمار والتمييز والعنف المنظم. فالقضية الفلسطينية ليست صراعًا دينيًا، وإنما قضية شعب اقتُلعت أرضه، وهُجّر شعبه، وما يزال يناضل من أجل حقه الطبيعي في الحرية والاستقلال وتقرير المصير. لقد أثبت التاريخ أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع الشرعية، وأن كل مشاريع الاستعمار، مهما امتلكت من تفوق عسكري ودعم دولي، تسقط حين تفقد مشروعيتها الأخلاقية والإنسانية. من جنوب أفريقيا إلى الجزائر إلى غيرها من تجارب الشعوب، كانت لحظة سقوط الرواية الأخلاقية بداية العدّ التنازلي لانهيار منظومات القهر والاستعمار. واليوم، تبدو إسرائيل أمام مأزق تاريخي غير مسبوق: فهي تمتلك القوة العسكرية، لكنها تفقد صورتها الأخلاقية؛ وتملك الدعم الغربي الرسمي، لكنها تخسر الرأي العام العالمي؛ وتنتصر بالنار والدمار، لكنها تهزم نفسها على مستوى الوعي والضمير الإنساني. أما الشعب الفلسطيني، فرغم القتل والحصار والتجويع ومحاولات الإلغاء، فإنه يواصل إثبات حضوره التاريخي والإنساني، ويؤكد أن الشعوب لا تُهزم ما دامت تتمسك بحقها في الحياة والحرية والكرامة.
تحقيق قضائي يهز الانتخابات البلدية الفرنسية: اتهامات بتدخل أجنبي إسرائيلي
السيناتور غراهام يفتح النار على باكستان: "عداؤكم لإسرائيل قديم"
متباهيا باغتيال عودة..كاتس: خطة "الهجرة الطوعية" من قطاع غزة ستنفذ
اليوم 90..حرب إيران: غياب وضوح صفقة التهدئة مع توسع العدوانية على لبنان
سيناتور يدعو لتغيير جذري في علاقة أمريكا بإسرائيل والاعتراف بدولة فلسطينية
💬 التعليقات (0)