لم يعد عيد الأضحى المبارك في غزة يشبه العيد الذي تحفظه الذاكرة، فللعام الثالث على التوالي يحل العيد على القطاع مثقلًا بصوت القصف والنزوح، بينما تتساقط طقوسه الواحدة تلو الأخرى تحت وطأة حرب الإبادة المستمرة.
أين أسواق المواشي التي تعج بالمشترين وأصوات الخراف؟ وأين الأطفال الذين يركضون خلف الأضاحي بضحكاتهم المعتادة؟ كما غابت "كبدة الأضحية" عن موائد الصباح، وغابت معها رائحة "الفتة الغزاوية" وخبز "الشراك" الذي كانت الأمهات يجهزنه منذ ساعات الفجر الأولى.
حتى الكعك والحلويات، التي كانت تُخبز في البيوت وتعلن اقتراب العيد، أصبحت عبئًا ثقيلًا في ظل الغلاء وانعدام الإمكانيات، خصوصًا داخل خيام النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات الطهي والحياة. إقرأ أيضاً بلا أضاحٍ ولا حج.. غزيون يؤدون صلاة عيد الأضحى فوق الركام
حتى المقابر التي كانت وجهة أولى صباح العيد لقراءة الفاتحة على أرواح الراحلين، لم تعد كما كانت؛ فالموت في غزة صار أكبر من قدرة الناس على الوداع، وأقسى من أن يُختصر بزيارة عابرة.
وبين الخيام والركام، يحاول أهالي قطاع غزة استحضار ما تبقى من ملامح العيد، لكن الحرب التي التهمت البيوت والأحبة بدت وكأنها تلتهم أيضًا ذاكرة الفرح نفسها، تاركة عيدًا باهتًا بلا طقوس، وبلا أصوات، وبلا تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تجعل للحياة معنى، ولو لأيام قليلة.
"ياه على عيد واحد يرجع علينا في بيتنا"، بهذه الكلمات تبدأ الشابة خلود اعطيش استذكار بهجة عيد الأضحى قبل حرب الإبادة، وتقول: "كان بيتنا في عيد الأضحى يمتلئ بالكبار والصغار، وكلنا ننتظر لحظة ذبح العجل بفرح يشبه العيد نفسه".
💬 التعليقات (0)